من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
الحكم الرابع
اللفظ فى نفسه قد يكون خاليا عن المجاز وحده، وقد يخلو عن الحقيقة والمجاز معا، وذلك يكون فى صور ثلاث.
الصورة الأولى: الأسماء الأعلام من نحو زيد، وعمرو وذلك لأنها لم توضع فى الأصل دالة على شىء بعينه، كدلالة قولنا: حيوان، ورجل، وسواد، ولكنها ألقاب وضعت للتفرقة بين المسميات وليست أجناسا دالة على موضوع معين، فإذا دلت على موضوعها الأصلّى فهى حقيقة، وإذا كانت مستعملة فى غيره فهى مجازات، ولكنها موضوعة للتفرقة بين الأعلام خارجة عن الدلالة على الصفات، فلا جرم قضينا بخروجها عن المجاز والحقيقة جميعا.
الصورة الثانية: ما يكون خاليا عن المجاز ويكون حقيقة على الإطلاق وهذا نحو الأسماء المضمرة من نحو قولنا: هو، وهم، وهن، وأنا، ونحن، وإياك وجميع الأسماء التى أضمرت، ونحو أسماء الإشارة من قولهم ذا، وذاك، وذان وهؤلاء، ومثل الأسماء المبهمة الأسماء التى لا إبهام فوقها كالمعلوم، والمذكور والمجهول، فإن هذه الأمور كلها نصوص فيما دلت عليه ظاهرة المعانى مستعملة فى حقائقها التى وضعت لها، ولا يجرى فيها المجازات بحال، لأن كل ما وضعت له فهى حقيقة فيه، فهى وإن خرجت عن استعمال المجاز فهى باقية على استعمالها حقائق فى كل مجاريها، نعم قد يجرى المجاز فى الأعلام بالنقصان كما يقال: قرأت سيبويه، وقرأت: البويطى والمزنى، والزمخشرى، والمراد كتاب هؤلاء، وقد يجرى المجاز فى بعض المضمرات كقولنا: «نحن» فإنه حقيقة فى الجمع، وقد يقال للواحد العظيم مجازا، وقد يجرى المجاز فى أسماء الإشارة كقولك:
أعجبنى هذا الرجل، وإن كان غائبا عنك، لأن الحقيقة فيه لمن كان حاضرا بقربك.
الصورة الثالثة: لما يكون خاليا عن الحقيقة والمجاز جميعا، ويجوز ورودهما فيه بعد ذلك، وهذا هو أول الوضع فى الأصل، فإنه ليس مجازا، لأنه لم يستعمل فى غير موضوعه ولا حقيقة لأنه لم يستعمل فى موضوعه، لأنه لم يسبق بوضع فيقال: إنه قد استعمل فى موضوعه فيكون حقيقة، فلهذا خرج عن أن يكون حقيقة أو مجازا.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع