تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

التقرير الثانى للفروق الفاسدة

اعلم أن الشيخ أبا حامد الغزالى قد أورد أمورا للتفرقة بين المجاز والحقيقة، ولا بد من إيرادها وإظهار وجه فسادها وجملتها أربعة:

«أولها»: أن الحقيقة جارية على الاطراد، والمراد بالاطراد جريان الحقيقة فى كل موضع

بخلاف المجاز، فإنه يجب إقراره حيث ورد كما قدمناه شرحه، والمثال فى ذلك هو أن قولنا عالم قادر، لما صدقا على كل واحد ممن له قدرة وعلم وجب صدقهما على كل ذى علم وقدرة فى جميع المحالّ، وعلى هذا يكون جريها شاهدا وغائبا على جهة الحقيقة لأجل الاطراد، وأما المجاز فليس حاله ما ذكرناه من الاطراد، ولهذا فإنه لما استعمل السؤال فى القرية، والعير، فإنه لا يستعمل فى الجدار والشجرة وهذا فاسد لأمور ثلاثة، أما أولا فلأن مستندنا فى كون هذه اللفظة حقيقة وكونها مجازا إنما هو أمر الواضع وتقريره فيجب أن يكون مستندنا فى التفرقة بينهما هو أمر الواضع وتقريره أيضا، وههنا لم تدل دلالة لغوية من جهة الواضع على أن الاطراد علامة للحقائق ولا أن عدم الاطراد أمارة للمجازات، فلابد فيه من دلالة لغوية، فلم يزد فيه على مجرد الحكم من غير إشارة فيه إلى دلالة لغوية فلا يقبل وأما ثانيا: فلأنه قد يعرض للحقيقة ما يمنع من اطّرادها لعارض، ويعرض للمجاز ما يوجب اطراده لعارض فجعل الاطراد من علامات كون اللفظ حقيقة وإبطال الاطراد من أمارة كونه مجازا لا وجه له. وأما ثالثا: فلأنه إن أراد باطراد الحقيقة استعمالها فى جميع موارد نص الواضع فالمجاز مثلها فى ذلك لأنه يجوز استعماله فى جميع موارد نص الواضع فلا يبقى هناك بينهما تفرقة، وإن أراد استعماله فى غير موضع نص الواضع فقد تكون الحقيقة ممنوعة الاطراد لعارض، وإن أراد بالاطراد معنى آخر غير ما ذكرناه فيجب إظهاره حتى ننظر فيه.

وثانيها: الامتناع من الاشتقاق دليل على كون اللفظة مجازا، فإن الأمر لما كان حقيقة فى القول اشتق منه اسم الفاعل للآمر واسم المفعول للمأمور، وإنه لما لم يكن حقيقة فى الفعل لم يوجد هذا الاشتقاق، وهذا فاسد أيضا لأمرين، أما أولا فلأن الاشتقاق معناه أخذ لفظة من لفظة باعتبار أمر جامع لهما فى المعنى، وما هذا حاله فإنه لا إشعار له البتة بكون اللفظ حقيقة فيما وضع له ولا مجازا، وأما ثانيا فلأن اسم الرائحة حقيقة فى معناها، ومع ذلك فإنه لم يشتق منها اسم.

وثالثها: قوله: إن اختلاف صيغة الجمع على الاسم، يعلم أنه حقيقة فى أحدهما ومجاز فى الآخر، وذلك نحو الأمر الحقيقى فإنه يجمع على أوامر وإذا أريد به الفعل وهو المجاز فإنه يجمع على أمور، وهذا فاسد جدّا لأمرين، أما أولا: فلأن أبنية الجموع مختلفة فى أنفسها باختلاف أبنية الأسماء المفردة فى ثلاثيها ورباعيها وأصلها وزائدها، وما هذا حاله

فإنه لا دلالة فيه على كون اللفظ مجازا ولا حقيقة، وأما ثانيا: فلأنه ليس بأن يدل قولنا أوامر على كون الأمر حقيقة فى القول بأحق من أن يدل على كونه مجازا، ولا قولنا أمورا فى العقل بأن يدل على كونه مجازا أولى من أن يكون حقيقة، بل نقول دلالة قولنا أوامر على كونه مجازا أحق من دلالته على كونه حقيقة لأن جمع أمر على أوامر على خلاف القياس، فلهذا كانت دلالته على المجازية أحق، وجمع أمر على أمور جار على القياس، فكانت دلالته على كونه حقيقة أولى، فبطل ما توهمه.

ورابعها: أن المعنى الحقيقى إذا كان متعلقا بالغير فإذا استعمل فيما لا تعلق له بشىء كان مجازا، وعلى هذا لفظ القدرة إذا أريد به الصفة القادرية كان لها متعلق وهو المقدور، وإذا أطلق على إتيان الحسن لم يكن له متعلق فيعلم كونه مجازا، وهذا فاسد أيضا لاحتمال أن يكون مقولا بالاشتراك عليهما فيكون حقيقة فيهما، لكن اتفق أن له بحسب أحد الحقيقتين متعلقا دون الأخرى، فهذه زبدة ما عوّل عليه الشيخ أبو حامد الغزالى فى هذه الفروق الفاسدة، وكأنه إنما أتى له الفساد من جهة تعويله على أمور عامة ليست صالحة للتفرقة، فلهذا بطل ما عول عليه.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.