من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
الحكم الرابع فى كيفية استعمال المجازات
اعلم أن المجازات اللغوية المفردة يجب إقرارها حيث وردت، ولا يجوز تعدّيها إلّا بتوقيف وإذن من جهة اللغة. وقد زعم فريق أنه يجوز تعدّيها عن أماكنها التى وردت فيها إلى غيرها.
والحجّة على ما قلناه هو أن المجازات واردة على خلاف الأصل والاستعمال، فيجب قصرها على الأماكن التى وردت فيها من غير تعدية.
ولنضرب فى ذلك أمثلة، المثال الأول فى مجاز النقصان كقوله تعالى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
«واسأل العير»، وقولهم «سل الرّبع»، فهذه الأمور يجب قصر النقصان فيها
على ما وردت فيه، ولا يجوز تعدّيه ونقله إلى غيره، فلا يقال: سل الدار واسأل الجدار واسأل الشجرة، إلّا بإذن من جهة اللغة يدل على جواز استعماله.
المثال الثانى، فى مجاز الزيادة، فإذا ورد المجاز فى زيادة «ما» و «لا» فى نحو قوله تعالى:
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ
وقوله: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ
وزيادة «لا» فى قوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ
وقوله تعالى: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ
فيجب إقرار زيادتهما حيث وردتا، ولا يجوز التعدّى إلى زيادة «لم» ولن من حروف النفى.
المثال الثالث، إذا استعير لفظ الأسد للرجل الشجاع ووجه الاستعارة بينهما المشاركة فى معنى الشجاعة، فيجب إقراره حيث ورد، ولو جاز تعدّيه لجاز إطلاق اسم الأسد على الرجل الأبخر، وهو المتغّير الفم، فلو كانت المشابهة كافية فى حلّ الإطلاق لجاز ما ذكرناه، فلمّا كان ممنوعا دلّ على ما قلناه من قصره حيث ورد، وهكذا تحذّروا فى إطلاق قولنا: «نخلة» فى الرجل الطويل، ولو جاز تعدّيه لجاز إطلاقها على الحبل من أجل طوله، فلما تعذّر ذلك عرفنا أنه مقصور.
فأما المجازات المركبة فالأقرب جواز تعدّيها إلى غير محالها التى وردت فيها، فكما ورد قوله تعالى: أَخَذَتِ الْأَرْضُ
وأنبتت الأرض وغير ذلك، ورد قولهم: تكاثرت أشواقى، والتكاثر إنما يكون فى الأمور المتحيزة، وقولهم: أسقمنى فقدك، وأحيانى مشاهدتك والنظر إليك، وهذا وارد فى لسانهم كثيرا لا يمكن ضبطه فى الرسائل والمواعظ والخطب، ولابن نباته فى مثل هذا اليد البيضاء كقوله: «إنما الموت حسام أزهق النفس ذبابه».
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع