تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

الحكم الثالث

أجمع أهل التحقيق من علماء الدّين، والنّظار من الأصوليين، وعلماء البيان على جواز دخول المجاز فى كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ فى كلام نوعيه، المفرد، والمركب، ويحكى الخلاف فى إنكاره عن أبى بكر بن داود الأصفهانى، والحجة على ما قلناه: هو أن خلافه إما أن يكون فى الجواز، أو فى الوقوع، فأمّا الجواز العقلّى فإنه ظاهر فإن الخطاب بالكلام الذى أريد به خلاف ما وضع له جائز من جهة العقل، والقدرة الإلهية لا تعجز عن مثل هذا فلهذا حكمنا به، وأمّا الوقوع فهو ظاهر فى القرآن كثيرا قال الله تعالى:

وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِ

وقال تعالى: فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ

وقال تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً

ومن المركب قوله تعالى حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ

وقوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ

وعلى الجملة فالاستعارة، والتمثيل، والكناية، فى كتاب الله تعالى وسنّة رسوله ﷺ أوسع من أن تضبط بحد، وسنورد من ذلك أمورا منبّهة على حسن البلاغة بالتوسّعات المجازية، وتقرير هذه الدلالة أن هذه المجازات إما أن يراد بها معنى، أو لا، والثانى باطل منزّه عنه كلام الله، والأول إمّا أن يراد به ما وضع له، أو غيره، فإن أريد به ما وضع له فهو باطل، لأن الذّلّ لا جناح له، والإرادة لا تعقل من الجدار، والأخذ من جهة الأرض غير ممكن، لأنها غير قادرة، وإن لم يرد بها ما وضعت له فهذا هو الذى نريده بالمجاز وهو المطلوب.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.