من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
المقصد الثانى ما يرجع إلى المعنى على الخصوص
وذلك من أوجه، أمّا أولا: فلأجل التعظيم كما يقال: سلام على الحضرة العالية والمجلس الكريم، فيعدل عن اللقب الصريح إلى المجاز تعظيما لحال المخاطب، وتشريفا لذكر اسمه عن أن يخاطب بلقبه فيقال: سلام على فلان.
وأمّا ثانيا: فلأجل التحقير كما يعبر عن قضاء الوطر من النساء بالوطء وعن الاستطابة بالغائط ويترك لفظ الحقيقة استحقارا له، وتنزّها عن التلفظ به لما فيه من البشاعة والغلظ وقد نزّه تعالى كتابه الكريم وخطابه الشريف عن مثل هذه الأمور، وعدل إلى المجازات الرشيقة لما ذكرناه فقال: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ
كناية عن الوطء وقال تعالى:
كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ
كنى به عن قضاء الحاجة لما فى لفظ الحقيقة من الرّكّة والسماجة.
وأما ثالثا: فلأجل تقوية حال المذكور فإذا قلت رأيت أسدا كان أقوى من قولك رأيت رجلا يشبه الأسد كما سنورد الفرق بين الاستعارة والتشبيه، فلا جرم عدل إلى المجاز لمكان هذه القوة.
وأمّا رابعا: فلما يحصل فى المجاز من التوكيد بخلاف الحقيقة، فأنت إذا قلت: رأيت أسدا فى سلاحه، وبحرا فى برديه، كان أكثر تأكيدا ووقعا فى النفوس من قولك: رأيت رجلا كريما أو شجاعا لما يحصل فى ذلك من المكانة والمبالغة بذكر المجاز دون الحقيقة.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع