تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

النوع الثانى الاستعارة فى الأخبار النبوية

فمن ذلك قوله صلّى الله عليه وآله: «أكثروا من ذكر هاذم اللذات فإنكم إن ذكرتموه فى ضيق وسعة عليكم» فاستعار هاذم اللذات للموت، وهو مطوى الذكر، ولو ظهر لم يكن هناك استعارة، وفى هذه الاستعارة من الرقة واللطافة ما لا يخفى حاله على من ضرب فى هذه الصناعة بحظ وافر وكان له فيها القدح القامر.

ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله: «لا تستضيئوا بنار المشركين» فاستعار ذكر النار للرأى والمشورة، والمعنى لا تهتدوا بآراء المشركين، ولا تتكلوا على أقوالهم، لما فيها من الخديعة والمكر والغرر، ومن ذلك قوله ﵇، «إن الغضب ليوقد فى فؤاد ابن آدم النار ألا تراه إذا غضب كيف تحمر عيناه وتنتفخ أوداجه» فاستعار الوقيد لاشتداد الغضب وتراكمه، ومنه قوله ﵇: «ما ذئبان ضاريان فى زريبة أحدكم بأسرع من الحسد فى حسنات المؤمن» فاستعار الذئبين فى إفساد الغنم بضراوتهما لما يحصل من عقوبة الحسد فى إحباط الحسنات المستحقة على الأعمال الصالحة، يريد أن إسراعه فى الإحباط بمنزلة إسراع هذين الذئبين فى إهلاك الغنم وقتلها. ومن بديع الاستعارة وغريبها قوله صلّى الله عليه وآله «ما جرع عبد قط جرعتين أعظم عند الله من جرعة غيظ يلقاها بحلم أو جرعة

مصيبة يلقاها بصبر جميل» فاستعار الجرعة لما يكابده الإنسان عند ملابسة الغيظ ومقاساة الأحزان، وخص الجرعة لأن هذه الأمور كلها تخص القلب وتقع عليه كما تقع الجرعة عليه عند شربه، وهى استعارة لطيفة يعقلها أهل الكياسة، وينظر لها الأذكياء، ومن ذلك قوله ﵇: «المؤمن والكافر لا تتراءى نيرانهما» فاستعار ذلك إعلاما لما بينهما من البعد والانقطاع فى جميع الأحوال لأنهما إذا تباعدا فى الدين، فما وراء ذلك يكون أبعد وأعظم فى الانقطاع، وفى هذا إشارة إلى أن الإيمان أعظم الوصل فيما بين المسلمين، وأن الافتراق فيه لا وصلة بعده، ولهذا استعار له النار لأنها ترى من الأمكنة البعيدة، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله «قيدوا القرآن بالدرس فإن له أوابد كأوابد الوحش» فاستعار ذكر الأوابد وهى الحيوانات الوحشية لما فيها من النفار وشدة الشرود لذهاب هذه المحفوظات عن القلب إذا لم تكن راسخة فيه بشدة الدرس لها، ومجازات الأخبار النبوية واسعة الخطو وقد وقفت على المجازات النبوية للسيد الشريف على بن ناصر، ولقد أتى فيها بالعجب العجاب ولباب الألباب، وفى كلامه دلالة على ما اختص به من الفضل والإحاطة بالبلاغة وتبحره فى علومها.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.