تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

النوع الثالث فى الاستعارة المأخوذة من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه

، فمن بليغها وأغربها قوله ﵇ «وايم الله لأقودن الظالم بخزامة حتى أورده منهل الحق وإن كان كارها» فانظر إلى هذه النكتة من كلامه ما أعظم موقعها فى الدين، وأرضاها لله وأشجاها فى حلوق الظلمة، وأرسخ قدمها فى البلاغة، وقد اشتملت على استعارات ثلاثة، الخزامة، والانقياد، والمنهل، وما أعجب توشحها فى قالب نظمها وحسن سياقها، فإنه لما ذكر الانقياد عقبه بما يلائمه من الخزامة، ولما ذكر الورود عقبه بما يناسبه من المنهل، وهذا هو سر التوشيح، وحقيقة جوهره، ومن أرق الاستعارة وألطفها ما قاله ﵇: يشير به إلى نفسه وأولاده من بعده «نحن الشعار والخزنة والأبواب، لا تؤتى البيوت إلا من أبوابها، فمن أتاها من غير بابها سمى سارقا».

فتفكر فى هذه الكلمات القصيرة وما اشتملت عليه من المعانى وانطوت عليه من الأسرار والرموز فى فضل أهل البيت وعلو درجتهم عند الله تعالى ومكانتهم من الشرف

بالرسول ﷺ، وقرب مكانهم منه، وتحتوى على استعارات خمسة، فاستعار الشعار ليدل به على الاختصاص بالرسول، والملاصقة له فى حسبه، واستعار الخزنة ليدل به على أنهم الحافظون لعلوم الشريعة والمهيمنون عليها، واستعار الأبواب ليدل به على أنه لا توجد الفضائل فى العلوم إلا من جهتهم، وأنهم بمنزلة الأبواب لها، واستعار قوله لا تؤتى البيوت إلا من أبوابها، دالا به على أن أخذها من جهة غيرهم خلاف العادة المألوفة وعكس للأمر وإبطال لحقيقته، واستعار قوله فمن أتاها من غير بابها كان سارقا، ليدل به على أن كل من أخذها من غيرهم فقد ظلم وتعدى وأساء كالسارق، لأنه أخذ ما لا يملكه فاستعار هذه الألفاظ لما ذكرناه من تلك المعانى، ومن ذلك ما قاله فى معرض التهكم والتوبيخ لبنى أمية إن بنى أمية يفوقوننى بمال الله، والله لئن عشت لهم لأنفضنهم نفض اللحام الوذام التربة» وفى كلام آخر «التراب الوذمة» فاستعار التوفيق للأكل قليلا قليلا، أخذا من فواق الناقة، وهو الحلبة بعد الحلبة، وقوله لأنفضنهم نفض اللحام، استعارة لتفريق شملهم والتنكيل بهم، واللحام، هو القصاب، والوذام هى القطع من الكرش، واحدتها وذمة، والتربة التى تقع على الأرض فإذا نفضها اللحام تناثر التراب منها أسرع ما يكون وأقصاه عنها، فأما قوله ﵇: التراب الوذمة، فهو من القلب الذى قد رقى فى غايتى الفصاحة والبلاغة، وهذه الاستعارة دالة على أنه مبالغ فى قطع الدابر منهم، واستئصال الشأفة بالتفريق لجموعهم، والإهانة لقدرهم، ولله در أمير المؤمنين ما أصلب قناته فى الدين، وأشد غضبه فى الله، وأعظم عداوته لأعدائه.

ومن ذلك كتابه إلى ابن عباس وهو عامله بالبصرة اعلم أن البصرة مهبط إبليس ومغرس الفتن فحادث أهلها بالإحسان إليهم، واحلل عقدة الخوف عن قلوبهم. وقد بلغنى تنمرك على بنى تميم وغلظتك عليهم، وإن بنى تميم لم يغب منهم نجم إلا طلع لهم آخر. فالمهبط، والمغرس استعارتان بليغتان لموضع البدع والشرور ومخالفة أمر الله تعالى، وإثارة الفتن، ومعصية إمام الحق، وقوله فحادث أهلها بالإحسان إليهم، استعارة، وقوله واحلل عقدة الخوف عن قلوبهم، استعارة أخرى للأنس لهم وتقرير خواطرهم. وقوله وقد بلغنى تنمرك على بنى تميم، استعارة للوحشة وشراسة الأخلاق. وقوله وغلظتك عليهم، استعارة أيضا للإعراض وضيق النفس عليهم، وقوله وإن بنى تميم لم يغب منهم نجم إلا طلع لهم آخر، استعارة لبقاء الرئاسة فيهم، وأنه لا يزال فيهم من فى حياته نفع للإسلام وعز وكهف.

وأكثر كلامه ﵇ فى أعلا طبقات الفصاحة، وأسمى مراتب البلاغة، فأما قوله ﵇ عند لقاء عدوه اللهم قد صرح بمكنون الشنآن، وجاشت مراجل الأضغان فهاتان استعارتان لشدة البغضاء وتمكن العداوة وتأكدها فى الأفئدة، فهما على ما اختصا به من النظم والاتساق، وقصر اللفظ وبلاغة المعانى، لا يقدران بقيمة ولا يوزنان بأنفس الأثمان كما ترى.

ومن كلام له ﵇ يخاطب به معاوية ويذكر فيه توجعه على بنى هاشم، فأراد قومنا قتل نبينا واجتياح أصلنا، وهموا بنا الهموم، وفعلوا بنا الأفاعيل، ومنعونا العذب، وأحلسونا الخوف، واضطرونا إلى جبل وعر، وأوقدوا لنا نار الحرب، فعزم الله لنا على الذب عن حوزته، والرمى من وراء حرمته، مؤمننا يبغى بذلك الأجر، وكافرنا يحامى عن الأصل، ومن أسلم من قريش خلو مما نحن فيه بحلف يمنعه أو عشيرة تقوم دونه، فهو من القتل بمكان أمن، وكان رسول الله إذا احمر الباس، وأحجم الناس قدم أهل بيته، فوقى بهم أصحابه حر السيوف والأسنة.

فعلى الناظر إعمال فكرته الصافية، وشحذ عزيمته الماضية، فإذا فعل ذلك وعزل عن نفسه سلطان الحمية، وحمى جانبه عن التمسك بأهداب العصبية علم قطعا لا ريب فيه، ويقينا لا رد له أنه كلام من أحاط بالمعانى ملكه، ونظم عقود البلاغة ولآلئها سلكه،

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.