تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

التعريف الخامس وهو المختار

أن يقال تصييرك الشىء الشىء وليس به، وجعلك الشىء للشىء وليس له بحيث لا يلحظ فيه معنى التشبيه صورة ولا حكما، ولنفسر هذه القيود، فقولنا «تصييرك الشىء الشىء وليس به وجعلك الشىء للشىء وليس له» شامل لنوعى الاستعارة، فالأول كقولك لقيت أسدا، وأتيت بحرا، والثانى كقولك رأيت رجلا أظفاره وافرة، وقصدت رجلا تتقاذف أمواج بحره، وفلان بيده زمام الأمر، وقولنا «بحيث لا يلحظ فيه معنى التشبيه صورة» كقولك زيد كالأسد ومثل البحر، فإن ما هذا حاله ليس من باب الاستعارة فى شىء لما يظهر فيه من صورة التشبيه، وأحد البابين مغاير للآخر فلا يمزج أحدهما بصاحبه، وقولنا «ولا حكما» يحترز به عن صورة واحدة، وهى قولنا زيد أسد، وعمرو بحر، فهل يعد هذا من باب الاستعارة، أو يكون معدودا فى التشبيه، فأكثر علماء البيان على عده من باب التشبيه، وإدخاله فى حيرة، ومنهم من زعم أنه معدود فى الاستعارة لتجرده من آلة التشبيه، فصار الأمر فى الاستعارة والتشبيه جاريا على ثلاثة أوجه، أولها أن يكون استعارة باتفاق، وهذا كقولك رأيت قمرا نوره على الناس، وشمسا ضياؤه على الخلق، وثانيها تشبيه بلا خلاف، وهو ما ظهرت فيه أداة التشبيه كقولك زيد مثل البحر، ومثل الأسد، وثالثها وقع فيه خلاف، هل يعد من الاستعارة أو يكون معدودا من التشبيه، وهو ما كان مضمر الأداة، وهذا كقولك زيد أسد، وعمرو بحر، وغير ذلك وسيأتى لهذا مزيد تقرير فى التفرقة بين الاستعارة والتشبيه. فهذا ما أردنا ذكره فى ماهية الاستعارة ومفهومها.

وأما التفرقة بين الاستعارة والتشبيه فاعلم أن كل ما كان من صريح الاستعارة إما تصيير الشىء الشىء وليس به كما قال بعض الشعراء:

لا تعجبوا من بلى غلالتهقد زر أزراره على القمر
للشاعر علي الغراب الصفاقسي، اقرأ القصيدة

وكما قال بعضهم:

قامت تظللنى من الشمسنفس أعز على من نفسى
قامت تظللنى ومن عجبشمس تظللنى من الشمس

وأما جعل الشىء للشىء وليس له فكما قال لبيد:

وغداة ريح قد كشفت وقرةإذ أصبحت بيد الشمال زمامها

أراد السحابة كما قالوا نشبت أظفار المنية بفلان، فهذا لا خفاء بكونه مستعارا كما ترى، وما كان من صريح التشبيه فلا مقال فيه، وهو ما كان فيه أداة التشبيه ظاهرة كقول بشار:

كأن مثار النقع فوق رؤوسناوأسيافنا ليل تهاوى كواكبه

ومثل قولهم فلان كالبدر، وفلان كالأسد، إلى غير ذلك من التشبيهات، فهذا لا خفاء به فى كونه تشبيها محضا، وإنما يقع النظر والتردد فى التشبيه المضمر الأداة كقولك زيد الأسد شجاعة، وعمرو البحر فى الجود والكرم، وكقول أبى الطيب المتنبى:

بدت قمرا ومالت خوط بانوفاحت عنبرا ورنت غزالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

فهل يعد من باب التشبيه، أو من باب الاستعارة، فيه مذهبان.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.