من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
المقصد الأول فى إفادته للبلاغة
، وهذا كقوله تعالى: وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ
فشبه السفن الجارية على ظهر البحر بالجبال، فى كبرها وفخامة أمرها على جهة المبالغة فى ذلك، وهكذا القول فى جميع تصرفات التشبيه، فإنه لا ينفك عن إفادة البلاغة، وإلا لم يكن تشبيها، لأن إفادته للبلاغة هو مقصده الأعظم، وبابه الأوسع، ولهذا فإنك لا تكاد تجد تشبيها خاليا عن مقصود البلاغة على حال، وكلما كان الإغراق فى التشبيه والإبعاد فيه وكونه متعذر الوقوع والحصول، كان أدخل فى البلاغة، وأوقع فيها، وهذا نحو تشبيه نور الله تعالى بنور المصباح فى المشكاة، سواء قلنا: إن المشبه هو نور الله تعالى كما هو الظاهر من الآية، أو هو نور الرسول ﷺ، فالمقصود هو البلاغة فى ذلك، كما قال بعضهم فى وصف الخمر:
وكأنها وكأن حامل كأسهاإذ قام يجلوها على الندماء
شمس الضحى رقصت فنقّط وجههابدر الدجى بكواكب الجوزاء
فانظر إلى ما أبدعه فى المبالغة بهذا التشبيه، حيث شبه الساقى بالبدر، وشبه الخمر بالشمس، وشبه حببها بالكواكب إغراقا فى ذلك، ومبالغة فيه، وكما قال بعض الشعراء:
فى وصف الشقائق على أعوادها إذا حركتها الريح فتارة تستقيم، وتارة تعوج قال:
وكأن محمر الشقيق إذا تصوب أو تصعد
أعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد
وكما ورد فى الحديث عن الرسول ﷺ أنه قال: «المؤمن كالسنبلة، تعوج أحيانا، وتقوم أخرى» أراد بذلك أنه لا يخلو فى تصرفه عن أن يكون مستقيما على الدين فذلك حال الاستقامة، أو يكون مقارفا للذنب، فتلك حالة الاعوجاج وقوله ﷺ «المؤمن كخامة الزرع» أراد أنه غافل عن أكثر المداخل، مشغول بما هو فيه من أمر الدين عن التفطن للأمور كالزرعة بين الزرع الكثيف، فإنه إذا غلظ عليها لم تكن بارزة للريح والشمس فتحصل لها الصلابة، فتراه فى جميع مجاريه لابد من إفادته للبلاغة ومراعاتها فيه.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع