تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

الضرب الثانى أن يصدر الكلام بذكر المعنى الواحد على الكمال والتمام، ثم يردف بذكر التشبيه على جهة الإيضاح والبيان

ومثاله قول أبى عبادة البحترى:

ذات حسن لو استزادت من الحسن إليه لما أصابت مزيدا
للشاعر البحتري، من قصيدة «إنما الغي أن يكون رشيدا»
فهى كالشمس بهجة والقضيب اللدن قدّا والرئم طرفا وجيدا

فالبيت الأول كان كافيا فى إفادة المدح، وبالغا غاية الحسن، لأنه لما قال لو استزادت لما أصابت مزيدا، دخل تحته كل الأشياء الحسنة، خلا أن للتشبيه مزية أخرى تفيد السامع تصورا وتخيلا لا تحصل من المدح المطلق، وهذا الضرب له موقع بديع فى الإطناب وهكذا ورد قوله أيضا

تردد فى خلقى سؤددسماحا مرجى وبأسا مهيبا
فكالسيف إن جئته صارخاوكالبحر إن جئته مستثيبا
للشاعر البحتري، من قصيدة «لوت بالسلام بنانا خضيبا»

فالبيت الأول دالّ على نهاية المدح، لكن البيت الثانى موضح ومبين لمعناه، لأن البحر للسماح، والسيف للبأس المهيب، مع اختصاصه بالتشبيه الفائق الذى يكسب الكلام رونقا وجمالا، ويزيده قوة وكمالا، وله وقع فى البلاغة وتأكيد فى المعنى، والتفرقة بين هذا الضرب وما قبله ظاهرة لا خفاء بها، فإن هذا وارد على جهة التشبيه بعد تقدم ما يرشد إلى المعنى ويقويه، بخلاف الضرب الأول، فإن الإطناب فيه من جهة المفهوم المعنوى، وبيانه هو أنه لما قال فى الآية الأولى: لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ

أشعر ظاهرها من جهة المفهوم أن غير هؤلاء بخلافهم، وأنهم المخصوصون بالإذن، فإذا قال بعد ذلك إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ

كان هذا مؤكدا لمفهوم الآية الأولى موضحا له، مع ما أفاد من تلك الفائدة التى ذكرناها، وهو اختصاصهم بالريب والوجل والتردد والحيرة، وهكذا الكلام فى الآية الثانية فإنه لما قال وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ

، فنفى نفيا عاما أشعر ظاهره أنهم غير عالمين بعلم الدين، وحقائق علم الآخرة، ومفهومها أن معهم علما من ظاهر الدنيا، فإذا قال بعد ذلك يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا

كان إطنابا لمفهومها مؤكدا مع زيادة فائدة فيه، وهو غفلتهم عن أمور الآخرة وإعراضهم عنها، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن الإطناب فى الضرب الأول

إنما يظهر من جهة ما ذكرناه من المعنى المفهوم، وأن الإطناب فى الضرب الثانى إنما يظهر من جهة اللفظ بإيراد التشبيه للإيضاح والتقرير كما أشرنا إليه.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.