من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
المثال الأول من كتاب الله تعالى (٣)
وهذا كقوله تعالى فى صدر سورة البقرة فى صفة المتقين: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
فهذه الأوصاف على نهاية الاقتصاد والتوسط من غير إفراط ولا تفريط، وقوله تعالى: فى افتتاح سورة المؤمنين فى صفة أهل الإيمان قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ
إلى قوله أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ
والقرآن وارد على هذه الطريقة، فإنه وارد على نهاية الاعتدال والتوسط، فهذا ما ورد فى المدح، فأما الذم فكقوله تعالى: فى سورة نون يخاطب به الوليد ابن المغيرة المخزومى، وقيل الأخنس بن شريق، وقيل الأسود بن عبد يغوث فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ
فهذه أوصاف دالة على الذم، صادقة عما هم عليه من هذه السمات جارية على جهة الاعتدال والتوسط من غير إفراط ولا تفريط، وهكذا القول فى جميع علوم القرآن وأصوله من الأوامر، والنواهى والوعد، والوعيد، والقصص، والأمثال، فإنها جارية على جهة التوسط والاعتدال لا تخرج عن حد فيما تناولته من مدح ولا ذم ولا غيره كما يكون الخروج فى غيره.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع