تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

المثال الرابع ما ورد عن البلغاء فى الاستدراج

يحكى أنه وقعت بين الحسين بن على صلوات الله عليه، وبين معاوية بن أبى سفيان مفاوضة فى أمر ولده يزيد، وذلك أن معاوية قال للحسين بن على: أما أمك فإنها خير من أمه، وفاطمة بنت رسول الله خير من أمرأة من كلب، وأما حبى يزيد فإنى لو أعطيت به مثلك ملء الغوطة ما رضيت، وأما أبوك وأبوه، فإنهما تحاكما إلى الله فحكم لأبيه على أبيك، فلينظر الناظر ما اشتمل عليه كلام معاوية من المراوغة عن الحق وتلبيس الأمر فى ذلك عن السامع بلطيف الاستدراج وحسن الإجمال مع ما فيه من البلاغة والفصاحة، فانظر إلى عظم دهائه، وإغراقه فى الحذق والكياسة، حيث علم وتفطن ما كان لأمير المؤمنين من السبق فى الإسلام، وحسن الإبلاء فى الجهاد لأعداء الله، وما خصه الله به من العلم الباهر والقدم الراسخ فى الزهد والعبادة فلم يتعرض للمفاخرة فى ذلك، ولا دعا إلى المنافرة، ولو قال إن الله قد أعطانى الدنيا، ونزعها منكم، لأن مثل هذا لا فضل فيه، لأن الدنيا لها البر والفاجر، ولكن صفح عن ذلك كله، وأعرض عنه، وأتى بكلام مبهم لا يفهم منه المقصود، وهو قوله: إن أباك وأباه تحاكما إلى الله فحكم لأبيه على أبيك، فإنما أتى بهذا الكلام ليسكت خصمه، ويستدرجه إلى الإصمات، وهذا من غدره ودهائه قليل، ومن لطيف ما جاء فى الاستدراج من المنظوم ما قاله أبو الطيب المتنبى: وذلك أن سيف الدولة كان مخيما بأرض الديار البكرية على مدينة ميّا فارقين، ليأخذها فعصفت الريح خيمته فأسقطتها فتطير الناس لذلك، وقالوا إنه لا يأخذها فامتدحه أبو الطيب بقصيدة لامية يعتذر فيها عن

سقوط الخيمة، ويستدرج ما أثر ذلك فى صدره بالإزالة والمحو، تقريبا لخاطره، وتطييبا لنفسه، فأجاد فيها كل الإجادة، وأحسن فى الاعتذار والاستدراج غاية الإحسان، مطلعها: «أينفع فى الخيمة العذل» ومنها قوله:

تضيق بشخصك أرجاؤهاويركض فى الواحد الجحفل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»
وتقصر ما كنت فى جوفهاوتركز فيها القنا الذبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

ثم قال:

وإن لها شرفا باذخاوإن الخيام بها تخجل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»
فلا تنكرن لها صرعةفمن فرح النفس ما يقتل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»
ولما أمرت بتطنيبهاأشيع بأنك لا ترحل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»
فما اعتمد الله تقويضهاولكن أشار بما تفعل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»
وعرف أنك من همهوأنك فى نصره ترفل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»
فما العاندون وما أملواوما الحاسدون وما قوّلوا
هم يطلبون فمن أدركواوهم يكذبون فمن يقبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»
وهم يتمنون ما يشتهون ومن دونه جدك المقبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

فهذه الأبيات من أعظم الأمثلة فى الاستدراج وإزالة ما يقع فى النفوس، ولو لم يكن فى شعره إلا هذه القصيدة، لكانت كافية فى معرفة فضله، وكونه فائقا فيه، ولنقتصر على هذا القدر من أمثلة الاستدراج ففيه كفاية.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.