من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
المثال الثالث من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه
وله ﵇ من الافتتاحات الرشيقة فى خطبه، ومواعظه، وكتبه، ما يفوق على كل كلام فمن ذلك ما ذكره بعد تلاوته أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ
فإن السبب فى نزولها هو أن بنى عبد مناف من قريش وبنى سهم، أكثروا المماراة، أيهم أكثر عددا، وأعظم جمعا، فكثرهم بنو عبد مناف، فقال بنو سهم: إن البغى أهلكنا فى الجاهلية فعادونا بالأحياء والأموات فكثرهم بنو سهم، فنزلت الآية ذما لهم على ذلك فقال ﵇ فى معنى ذلك: يا مراما ما أبعده، وزورا ما أغفله، وخطرا ما أفظعه، لقد استخلوا منهم أىّ مذكر، وتناوشوهم من مكان بعيد، بمصارع آبائهم يفخرون، أم بعديد الهلكى يتكاثرون؟ فتأمل هذا الافتتاح، ما أجمعه للمقصود وأشد ملائمته لمراد الآية، مع الاختصار البالغ والإيجاز البديع الذى يزيد تفصيله من بعد فى أثناء الخطبة.
ومن ذلك ما ذكره عند تلاوته: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
وما برح لله، عزت آلاؤه فى البرهة بعد البرهة، وفى أزمان الفترات عباد ناجاهم فى فكرهم وكلمهم فى ذات عقولهم، فاستصبحوا بنور يقظة فى الأسماع والأبصار والأفئدة، يذكرون بأيام الله، ويخوفون مقامه، بمنزلة الأدلة فى فلوات القلوب، من أخذ القصد حمدوا إليه طريقه وبشروه بالنجاة، ومن أخذ يمينا وشمالا ذموا إليه الطريق، وحذروه من الهلكة، وكانوا كذلك مصابيح تلك الظلمات، وأدلة تلك الشبهات.
ومن ذلك ما ذكره عند تلاوته قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ
أدحض مسئول حجة، وأقطع مفتر معذرة، لقد أبرح جهالة بنفسه، يأيها الإنسان ما جرأك على ذنبك، وما غرك بربك، وما آنسك بهلكة نفسك، أما من دائك بلول، أليس من نومتك يقظة، أما ترحم من نفسك ما ترحم من غيرك، فانظر أيها المتأمل إلى هذه المطالع فى الوعظ والزجر، وهذه الافتتاحات بمعانى هذه الآى كيف طبق مفاصلها ولم يخالف مجراها، ولا أخذ فى غير طريقها، وأتى بما يلائم معناها، ويوافق مجراها، ويحقق مغزاها بالكلام الذى تبهر القرائح فصاحته، وتدهش العقول جزالته وبلاغته، ولله در أمير المؤمنين لقد فاق فى كل خصاله، ونكص كل بليغ أن يحذو على مثاله، خاصة فيما يتعلق بالخطب فى التوحيد فإنها افتتاحات ملائمة للمقصود أشد الملاءمة.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع