من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
المثال الأول من كتاب الله تعالى
وذلك أن الله تعالى لما أذن بالفتح على رسوله ﷺ وكان هو الغاية والمنتهى بطى بساط الرسالة لما ظهر نور الإسلام. ومد بجرانه على جميع الأديان، فأنزل الله تعالى على رسوله آية هى مناسبة لما هو فيه من إشارة الإيمان، وبلوغه الغاية ويذكر منه عليه بما أظهر على يديه من ذلك فقال فيها إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً
فانظر إلى هذه الآية ما أعجب ملائمتها لهذه الحالة، وأشد تصريحها بالمقصود من أول وهلة، فصدر الآية بذكر الفتح إظهارا للمنة، وتكملة للنعمة، ثم أردفه بذكر المغفرة إعظاما لحاله، ورفعا من منزلته، وتقريرا لنفسه وتسلية لما كابد قبله من عظم المشقة وشدة المحنة، ثم وجه التعليل بالمغفرة إلى الفتح، إيذانا بأنه إنما استحق الغفران لما كان منه من الصغائر من أجل ما استحق على العناية فى الفتح ومكابدة شدائده، فلأجل ذلك كان مستحقا للأجر الأعظم الذى يكون ثوابه مكفرا لتلك الصغائر التى صرح بها الشرع وجوزها عليه، «فأما» الزمخشرى فقد قال فى تفسيره إنه ليس واردا على جهة التعليل على أحد وجهته، وإنما هو وارد على جهة التعديد لما أنعم الله عليه من غفران ذنوبه، وإتمام نعمته عليه والهداية والنصر.
فأما من قال إن اللام للعاقبة كالتى فى قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
فإنما كان ذلك من أجل ضيق العطن، وعدم الوطأة ورسوخ القدم فى علوم البيان، وبعدهم عن الإحاطة بحقائق التشبيه والاستعارة، فلا جرم عولوا على هذه التأويلات الركيكة والمعانى المبادرة، ونزول هذه الآية إنما كان قبل الفتح بعد رجوعه من الحديبية، وبعد عمرة القضاء، أنزلها الله تعالى عليه بشارة له وشرحا لصدره، وتسلية على قلبه بما وعده من النصر والفتح والهداية والإعزاز، وإنما جاء بلفظ الماضى مبالغة فيه وتوكيدا، وكأنه لشدة تحققه وثبوته كأنه قد مضى وتقضى فأشبه الماضى فى تقريره، ومن هذا قوله تعالى فى افتتاح سورة النساء يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً
لأنه لما كان غرضه بيان الأحكام المشروعة فى حقهن من الطلاق، والميراث، وغير ذلك من الأحكام، صدر السورة بما يكون فيه دلالة وتنبيه على ذلك، وخالف ما ذكره فى صدر سورة الحج لما ذكره فى سورة النساء حيث قال يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ
لأنه لما كان غرضه ذكر البعث والاحتجاج عليه والنعى على منكريه صدره بما يلائمه ويناسبه من ذلك، فافتتاح كل واحدة من السورتين مخالف للأخرى؛ لكنه مناسب لما يريد ذكره من كل واحد منهما من الأغراض والمقاصد التى ضمنها فيهما، فافتتاحهما، ملائم لهما كما ترى، ولهذا فإن الله تعالى لما أراد شهر السيف وأذن للرسول فى القتال وكان بينه وبين ناس من العرب عهود وإخلاف صدر سورة التوبة بذكر البراءة لما أراده من قطع تلك العهود ونبذها، فافتتاحها مناسب لما يريد ذكره فيها من المباينة وشن الغارات وسل السيف.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع