تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

النوع الرابع فيما ورد من كلام البلغاء فى الإطناب

فمن ذلك ما قاله ابن الأثير فى وصف بستان:

هو جنة ذات ثمار مختلفة الغرابة، وتربة منجبة وما كل تربة توصف بالنجابة، ففيها المشمش الذى يسبق غيره بقدومه، ويقذف أيدى الجانين بنجومه، فهو يسمو بطيب الفرع والنجار، ولو نظم فى جيد الحسناء لاشتبه بقلادة من نضار، وله زمن الربيع الذى هو

أعدل الأزمان، قد شبه بسن الصبا فى الأسنان، وفيها التفاح الذى رق جلده، وعظم قده، وتورد خده، وطابت أنفاسه، فلا بان الوادى ولا رنده، وإذا نظر إليه وجد منه حظ الشم والنظر، ونسبته من سرر الغزلان أولى من نسبته إلى منابت الشجر، وفيها العنب الذى هو أكرم الثمار طينة، وأكثرها ألوان زينة، وأول غرس اغترسه نوح ﵇ عند خروجه من السفينة، فقطفه يميل بكف قاطفه، ويغرى بالوصف لسان واصفه، وفيها الرمان الذى هو طعام وشراب، وبه شبهت نهود الكعاب، ومن فضله أنه لا نوى له فيرمى نواه، ولا يخرج اللؤلؤ والمرجان من فاكهة سواه، وفيها التين الذى أقسم الله به تنويها بذكره، واستتر آدم بورقه إذ كشفت المعصية من ستره، وخص بطول الأعناق، فما يرى بها من ميل فذاك من نشوة سكره، وقد وصف بأنه راق طعما، ونعم جسما وقيل هذا كنيف ملىء شهدا، لا كنيف ملىء علما، وفيها من ثمرات النخيل ما يزهى بلونه وشكله، ويشغل بلذة منظره عن لذة أكله، وهو الذى فضل ذوات الأفنان بعرجونه، ولا تماثل بينه وبين الحلواء فيقال: هذا خلق الله فأرونى ماذا خلق الذين من دونه، وفيها غير ذلك من أشكال الفاكهة وأصنافها، وكلها معدود من أوساطها لا من أطرافها، ولقد دخلتها فاستهوتنى حسدا، ولم ألم صاحبها على قوله «لن تبيد هذه أبدا». فما هذا حاله من الأوصاف يقال له إطناب، لأن كل صفة لم تخل عن فائدة جديدة.

ومن الأمثلة الرائقة فى الإطناب ما قاله ابن الأثير أيضا على جهة المقابلة لإيجاز كتاب طاهر بن حسين إلى المأمون لما هزم عسكر عيسى بن ماهان وقتله، وقد ذكرنا كتابه الذى أوجز فيه إلى المأمون فقال ابن الأثير مقابلا له بالإطناب فيه، وهو قوله: صدر الكتاب وقد نصرنا بالفئة القليلة على الفئة الكثيرة، وانقلبنا باليد الملأى والعين القريرة، وكان انتصاره بحد أمير المؤمنين لا بحد نصله، والجد أغنى عن الجيش وإن كثر إمداد خيله ورجله، وجىء برأس عيسى بن ماهان وهو على جسد غير جسده، وليس له قدم تسعى ولا يد فيقال يبطش بيده، ولقد طال وطوله مؤذن بقصر شأنه، وحسدت الضباع الطير على مكانها منه وهو غير محسود على مكانه، وأحضر خاتمه وهو الخاتم الذى كان الأمر يجرى على نقش أسطره، وكان يرجو أن يصدر كتاب الفتح بختمه فحال ورود المنية دون مصدره، وكذلك البغى مرتعه وبيل، ومصرعه جليل، وسيفه وإن مضى فإنه عند الضرب كليل، وقد نطق الفأل بأن الخاتم والرأس مبشران بالحصول على خاتم الملك

ورأسه، وهذا الفتح أساس لما يستقبل بناؤه ولا يستقر البناء إلا على أساسه، والعساكر التى كانت على أمير المؤمنين حربا صارت له سلما، وأعطته البيعة علما بفضله، وليس من بايع تقليدا كمن بايع علما، وهم الآن مصروفون تحت الأوامر، ممتحنون بكشف السرائر، مطيفون باللواء الذى خصه الله باستفتاح المقالد واستيطاء المنابر، وكما سرت خطوات القلم فى أثناء هذا القرطاس، فكذلك سرت طلائع الرعب قبل الطلائع فى قلوب الناس، وليس فى البلاد ما يغلق بمشيئة الله بابا، ولا يحسر نقابا، وعلى الله تمام النعمة التى افتتحها، وإجابة أمير المؤمنين إلى مقترحاته التى اقترحها. ولنكتف بهذا القدر من أمثلة الإطناب ففيه كفاية، فأما الإطنابات الشعرية فتشتمل عليها الدواوين، ومن أراد الاطلاع على الإطناب الشعرى فى المدح فليطالع ديوان أبى الطيب المتنبى فإنه يجد فيه فى الكافوريات والسيفيات إطالة فى الإطناب كثيرة وغيره من الدواوين كأبى تمام وأبى عبادة البحترى.

الفصل الثانى فى المبادى و [الافتتاحات]

اعلم أن هذا الفصل ركن من أركان البلاغة، وحقيقة آئلة إلى أنه ينبغى لكل من تصدى لمقصد من المقاصد وأراد شرحه بكلام أن يكون مفتتح كلامه ملائما لذلك المقصد دالا عليه، فما هذا حاله يحب مراعاته فى النظم والنثر جميعا، ويستحب التزامه فى الخطب والرسائل والتصانيف، وهكذا حال التهانى والتعازى يكون مبدؤها وتصديرها بما يناسب ذلك المعنى ليكون معلوما من أول وهلة، فحيث يكون المطلع جاريا على ما ذكرناه فهو من الافتتاح الحسن، وحيث يكون جاريا على عكسه فهو معدود من القبيح، فهذان طرفان نذكر ما يتعلق بكل واحد منهما.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.