من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
المثال الثانى ما ورد من السنة الشريفة
فمن ذلك ما رواه ابن عمر رضى الله عنه قال:
كان يعلمنا خطبة الحاجة بقوله الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، فهذه الكلمات كان يذكرها إذا أراد حاجة من الحوائج من نكاح، أو موعظة، أو فصل قضية، أو غير ذلك من سائر الحاجات، فانظر إلى اختياره ﷺ فى افتتاح كل أمر كيف صار ملائما للمطلوب من جميع الأفعال المطلوبة، فافتتح بالتعريف والإقرار باستحقاق الحمد لله فى كل حال لا يختص
وقتا دون وقت، ثم أردفه بتجديد الحمد فى مستقبل الزمان وحاله، ولهذا وجه الأول بالاسم، والثانى بالفعل المضارع، ليدل بالأول على الثبوت والاستقرار، ويدل بالثانى على التجدد والحدوث، ثم عقب بذكر الاستعانة لما كان محتاجا إليها فى كل فعل، وهى الألطاف الخفية من جهة الله تعالى؛ لأن اللطف من الله تعالى من أجله يسهل كل عسير، ويلين كل قاس، ثم أردفه بالاستعاذة بالله من شرور الأنفس، لما فيه من الضرر العظيم من أجل دعاء النفوس إلى كل شر، وهى مطبوعة على أنها أمارة بالسوء فى كل أحوالها، ثم عقبه بالاستعاذة من السيئات، فإنها مبعدة عن الخير، داعية إلى الشر، فمن أجل هذه المناسبة جعل هذا الدعاء ديباجة لكل مطلوب لما اختص من الملاءمة بما يذكر بعده.
ومن ذلك افتتاحه ﷺ فى الدعاء لأبى سلمة عند موته حيث قال: اللهم ارفع درجته فى المهديين واخلفه فى عقبه من الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين. فانظر إلى مناسبة هذا الافتتاح للحالة التى وقع فيها فافتتحه بذكر المهم الذى يفتقر إليه المدعو له فى تلك الحال، من رفع الدرجة فى الآخرة، ثم أردفه بذكر المهم الذى يؤثره المدعو له من صلاح حال عقبه من بعده فى الدنيا، ثم ختمه بالجمع بين الداعى والمدعو له، وهذا من الافتتاح البليغ الذى يعجز عن الإتيان بمثله كل بليغ، ومن أنس بالأحاديث النبوية وكان له مطالعة لها فإنه يجد فيها ما يكفى ويشفى.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع