تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

المثال الرابع ما ورد من كلام البلغاء فى ذلك

وأحسن ما قيل فى الافتتاح ما قاله أبو تمام فى قصيدته التى امتدح بها المعتصم عند فتحه لمدينة عمّوريّة، وقد كان أهل التنجيم زعموا أنها لا تفتح عليه فى ذلك الوقت، وأفاض الناس فى ذلك حتى شاع الأمر وصار أحدوثة بين الخلق، فلما فتحت عليه، بنى أبو تمام مطلع القصيدة على هذا المعنى مكذبا لهم فيما قالوه، ومادحا للمعتصم فى شدة البأس وإعراضه عن التطير بالنجوم فقال.

السيف أصدق أنباء من الكتبفى حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
بيض الصّفائح لا سود الصحائف فىمتونهنّ جلاء الشّكّ والرّيب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»

وقال معرضا بأهل النجوم وأنه لا عبرة بما قالوه فى ذلك:

والعلم فى شعب الأرماح لامعةبين الخميسين لا فى السبعة الشهب
أين الرواية أم أين النجوم وماصاغوه من زخرف فيها ومن كذب
تخرصا وأقاويلا ملفقةليست بنبع إذا عدّت ولا غرب

فهذا المطلع من أجود ما يأتى فى هذا المعنى ومن مستظرفاته ومن ذلك ما قاله أبو الطيب المتنبى فى قصيدة يمدح بها كافورا وكان جرت بينه وبين سيده سيف الدول وحشة فقال فى ذلك:

حسم الصلح ما اشتهته الأعادىوأذاعته ألسن الحسّاد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حسم الصلح ما اشتهته الأعادي»

فهذا وما شاكله من بديع الافتتاحات ونادرها لما فيه من إفادة الغرض المطلوب من أول وهلة، ومن جيد ما يذكر فى المطالع الحسنة ما حكاه أبو العباس المبرد أن هارون الرشيد غزا يعفور ملك الروم وكان نصرانيا فخضع له وبذل الجزية، فلما عاد هارون واستقر بمدينة الرقة، وسقط الثلج، نقض يعفور الذمة والعهد فلم يجسر أحد على إعلام هارون لأجل هيبته فى صدور الناس، وبذل يحيى بن خالد للشعراء الأموال النفسية على أن يقولوا أشعارا فى إعلامه، فكلهم أشفق من لقائه بمثل ذلك إلا شاعرا من أهل جدة يكنى أبا محمد وكان مغلقا فنظم قصيدة وأنشدها الرشيد مضمنة لهذا المعنى، قال فيها:

نقض الذى أعطيته يعفورفعليه دائرة البوار تدور
أبشر أمير المؤمنين فإنّهفتح أتاك به الإله كبير
يعفور إنّك حين تغدر إن نأىعنك الإمام فجاهل مغرور
أظننت حين غدرت أنّك مفلتهبلتك أمّك ما ظننت غرور

فلما أنهى الأبيات إلى الرشيد قال أوقد فعل، ثم غزاه فأخذه وفتح مدينته، ومن غريب الافتتاح وعجيبه ما قاله المتنبى فى سيف الدولة وقد كان ابن الشمقمق أقسم ليقتلنه كفاحا، فلما التقى به لم يطق ذلك وولى هاربا، فقال فيه:

عقبى اليمين على عقبى الوغى ندمماذا يزيدك فى إقدامك القسم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»
وفى اليمين على ما أنت واعدهما دلّ أنّك فى الميعاد متّهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

ومن ذلك ما قاله أبو تمام يمدح المعتصم فيها:

الحقّ أبلج والسيوف عوارفحذار من أسد العرين حذار
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «الحق أبلج والسيوف عوار»

وهذه القصيدة من لطائف قصائده وعجائبها، ومطلعها يناسب ما ذكره فيها من ثنائه

عليه وظفره ببابك الخرمى. ومن ذلك ما قاله السلمى فى مطلع قصيدة له قال فيها

قصر عليه تحية وسلامخلعت عليه جمالها الأيام

وسئل بعضهم عن أحذق الشعراء، فقال من أجاد الابتداء والمطلع، وهذا يدلك على أن لهما موقعا عظيما فى الفصاحة والبلاغة، فهذا ما أردنا ذكره فى الافتتاحات الحسنة.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.