من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
الضرب الأول منها ما يستبعد فى العقل، لكن وقوعه صحيح وهو المبالغة
ومثاله قوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
وقوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
فما هذا حاله معدود فى المبالغة، ولو قال عوض هذه المقالة تواضع لوالديك وللمؤمنين لرأيته خاليا عن ديباج البلاغة وعاريا عن ثوبها وكقول زهير:
لسان الفتى نصف ونصف فؤادهفلم يبق إلّا صورة اللحم والدّم
فلقد بالغ فيما قاله حتى جعل حقيقة الإنسان إنما تكون بلسانه وقلبه، وبهما يحصل تمييزه عن سائر الحيوانات، ولو قال عوض هذا الكلام، تميّز الإنسان عن أصناف الحيوان هو بقلبه ولسانه لعزل البلاغة عن سلطانها، وأزالها عن رفيع محلها ومكانها، وكقول ابن دريد:
والناس ألف منهم كواحدوواحد كالألف إن أمر عنا
فانظر إلى مبالغته فيما ذكره من جعله ألفا من الناس كالواحد فى الإغناء وأنهم مع كثرتهم بمنزلة واحد من الخلق، وأن الواحد بمنزلة الألف فى كونه كافيا عنهم، كل ذلك مبالغة فى مدح الواحد من الناس لما كان مغنيا عن الكثير لجمعه للأوصاف الجميلة والمحامد الحسنة، وفى ذمه للكثير من الناس حيث كانوا فى الإغناء لا يسدون مسد واحد وإن كانوا عدة كثيرة، فهذه الأمثلة كلها دالة على المبالغة من غير إغراق ولا غلو، وهو المحمود فى المبالغة كما مر بيانه.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع