من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
المذهب الثالث مذهب من توسط، وهو أن المبالغة فن من فنون الكلام ونوع من محاسنه
ولا شك أن
للكلام بها فضل بهاء وجودة رونق وصفاء لا يخفى على من كان له أدنى ذوق، ولكن ليس على جهة الإطلاق، فإن الصدق فضله لا يجحد، وحسنه لا ينكر، فمهما كانت المبالغة جارية على جهة الاعتدال بالصدق فهى حسنة جميلة، ومهما كانت جارية على جهة الغلو والإغراق فهى مذمومة، فهذه مذاهب المتكلمين فى حكم المبالغة قد حصرناها وضبطناها ليتضح الحق ويظهر أمره، والمختار عندنا وعليه تعويل أهل التحقيق من علماء البيان تقرير نشير إلى مباديه، ونرمز إلى أسراره ومعانيه، فنقول أما من عاب المبالغة فقد أخطأ، فإن المبالغة فضيلة عظيمة لا يمكن دفعها ولولا أنها فى أعلى مراتب علم البيان لما جاء القرآن ملاحظا لها فى أكثر أحواله، وجاءت فيه على وجوه مختلفة لا يمكن حصرها، فقد أخطأ من عابها على الإطلاق، وأما من استجادها على الإطلاق فغير مصيب على الإطلاق أيضا لأن منها ما يخرج عن الحد فيعظم فيه الغلو والإغراق فيكون مذموما كما سيحكى عن أقوام أغرقوا فيها وتجاوزوا الحد بحيث لا يمكن تصور ما قالوه على حال قرب ولا بعد، لكن خير الأمور أوساطها، فما كان من الكلام جاريا على حد الاستقامة من غير إفراط ولا تفريط فهو الحسن لا مراء فيه، فيكون فيه نوع من المبالغة من غير خروج ولا تجاوز حد، وأحسن بيت ما قاله زهير وهو من بدائع حكمه الشعرية:
ومهما تكن عند امرىء من خليقةوإن خالها تخفى على الناس تعلم
فما هذا حاله من أعجب الأبيات وأصدقها حكمة، وأدخلها فى معرفة أخلاق الناس، ومن ذلك ما قاله حسان بن ثابت فى حسن الصدق:
وإنما الشعر لبّ المرء يعرضهعلى المجالس إن كيسا وإن حمقا
فإنّ أشعر بيت أنت قائلهبيت يقال إذا أنشدته صدقا
ومن أجل الإخلال بالمبالغة ومراعاتها عيب على حسان فى قوله:
لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضحىوأسيافنا يقطرن من نجدة دما
فعيب عليه قوله الجفنات، وهو جمع قلّة، وليس هذا من مواضع القلة، وكان الأحسن فيه الجفان وقوله «الغر» والغر إنما تستعمل فى مدح الشىء بالوضوح، وليس هذا من
مواضعه، وكان الأحسن «يمرعن» من كثرة الدهن وقوله يلمعن بالضحى، فإن كل شىء يلمع عند طلوع الشمس عليه، وكان الأفصح فيه، يلمعن فى سواد الليل من كثرة الأصباغ، وقوله وأسيافنا جمع قلة، وهذا ليس من مواضعه وكان الأفصح ذكر جمع الكثرة كالسيوف، وقوله «يقطرن» لأن القطرة قليلة حقيرة وكان الأفصح «يسلن» عوض يقطرن، فعرفت بما ذكرناه أن الكلام متى عرى عن استعمال المبالغة كان مذموما نازل القدر، فينحل من مجموع ما ذكرنا هاهنا معرفة ما يقبل فى المبالغة وما يردّ، وما يكون محمودا أو مذموما بما قررناه والله أعلم بالصواب.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع