من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
الصنف الثالث عشر فى التذييل
وهو تفعيل من قولهم ذيّل كلامه إذا عقّبه بكلام بعد كمال غرضه منه، فأما معناه فى اصطلاح علماء البلاغة فهو عبارة عن الإتيان بجملة مستقلة بعد إتمام الكلام لإفادة التوكيد وتقرير لحقيقة الكلام، وذلك التحقيق قد يكون لمنطوق الكلام، وتارة يكون لمفهومه فهذان وجهان، الوجه الأول أن يكون سوقه من أجل تأكيد منطوق الكلام، ومثاله قوله تعالى: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ
لأن حاصل قوله تعالى: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا
ظاهره وصريحه يدلان على أن الوجه فى استحقاقهم لما استحقوه من نزول العذاب، إنما كان من أجل كفرهم لأن قوله: بِما كَفَرُوا
تعليل للجزاء من أجل الكفر، فقوله بعده وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ
تقرير وتأكيد لما سبق من الجملة الأولى وتحقيق لها، لأنه دال عليها ومحقق لفائدتها وهكذا قوله تعالى: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
فلما قال وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ
ذيلها بتذييلين، كل واحد منهما محقق لفائدتها ودال على مضمونها، الأول منهما قوله: أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ
فهذا الاستفهام وارد على جهة الإنكار عليهم فى زعمهم الخلود، وأراد أنه لا تتصور أن تكون أنت ميتا، وهم خالدون بعدك فإذا كان لا خلود لك مع ما اختصصت به من المكانة والزلفة عند الله تعالى فهم أحق بالانقطاع والزوال لا محالة، والثانى قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
فهذا أيضا توكيد لقوله: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ
لأن هذا العموم قاطع لكل ظن ويأس عن كل أمر يطمع بالخلود، ومن الأمثلة فى ذلك ما قاله بعض الشعراء فى ممدوحه:
لم يبق جودك لى شيئا أؤمّلهتركتنى أصحب الدنيا بلا أمل
فقوله «تركتنى أصحب الدنيا بلا أمل» مؤكد لما دلت عليه الجملة الأولى بظاهرها، وهو قوله «لم يبق جودك لى شيئا أؤمله» لأنه مصرح بأن جوده لم يترك له أمنية يتمناها. فلم يبق له أمل فى الدنيا يرجو حصوله بحال، وهذا نهاية المدح، وقد أخذه المتنبى وزاد عليه فى قوله من قصيدة يمدح بها سيف الدولة:
تمسى الأمانىّ صرعى دون مبلغهفما يقول لشىء ليت ذلك لى
وهذا أعظم من الأول فى المدح وأدخل فى الأدب مع الممدوح، حيث جعله فى قبيل من لا يتمنى شيئا أصلا. الوجه الثانى أن تكون الجملة الثانية مسوقة من أجل تأكيد مفهوم الكلام، ومثاله بيت النابغة:
ولست بمستبق أخا لا تلمّهعلى شعث أىّ الرّجال المهذّب
فقوله «ولست بمستبق أخا لا تلمه» دال من جهة مفهومه على نفى الكامل من الرجال، ثم أكد هذا المفهوم بقوله «أى الرجال المهذب» لأن معناه أنا أستفهمك عنه فإنى لا أكاد أجده، ومن ذلك ما قاله الحطيئة:
نزور فتى يعطى على الحمد مالهومن يعط أثمان المكارم يحمد
فمفهوم قوله «يعطى على الحمد ماله» أنه لا يعطى ماله إلا لأجل أن يحمد، وقوله بعد ذلك «ومن يعط أثمان المكارم يحمد» محقق له ومؤكد لفائدته، فلأجل هذا كان ما هذا حاله تذييلا، واشتقاقه من ذيل الفرس، إما لأنه زائد على كمال خلقها، كما أن هذا مزيد على جهة التوكيد، وإما لأنه فى عجزها كما أن هذا إنما يأتى على أدبار الجمل مقررا لها.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع