تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

الصنف التاسع: الإيضاح

وهو إفعال من أوضحت الكلام إذا بينته ودرهم وضح، إذا كان مضروبا، فاشتقاقه من الظهور، يقال وضح الفجر إذا كان بينا، وفى مصطلح علماء البيان عبارة عن أن يرى فى كلامك لبسا يكون موجها، أو خفى الحكم فتردفه بكلام يوضح توجيهه ويظهر المراد منه، فهذان وجهان، الوجه الأول أن يكون الذى يؤتى به من الكلام موضحا لتوجيهه، ومثاله قول الشاعر:

يذكّرنيك الخير والشّرّ كلّهوفيك الحيا والعلم والحلم والجهل
فألفاك عن مكروهها متنزّهاوألقاك فى محبوبها ولك الفضل

فالبيت الأول دال على التوجيه بمعنى أنه يحتمل أن يريد مدحه وأن يريد ذمه لأنه صرح بأن فيه الخير والشر، وفيه الحلم والجهل، فيحتمل أن يكون المراد مدحه، ويحتمل أن يريد ذمه، فإذا قال بعد ذلك فى البيت الثانى إنه برىء عن مكروهها، ومنزه عنه، وأنه فى محبوبها له الزيادة على غيره فى الصفات المحمودة، أزال ما يحتمله الأول من الذم، وأزال توجيهه الذى يحتمله. الوجه الثانى أن يكون الذى يؤتى به من الكلام موضحا لحكم خفى ومثاله ما يقوله بعض الشعراء:

ومقرطق يغنى النديم بوجههعن كأسه المملى وعن إبريقه
للشاعر الامير منجك باشا، من قصيدة «ومقرطق يغني النديم بوجهه»
فعل المدام ولونها ومذاقهافى مقلتيه ووجنتيه وريقه
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «أرقدت عن قلق الفؤاد مشوقه»

فالبيت الأول حكمه خفى لإيراد القصد فيه، لأنه لم يفصح بمقصوده عن كون النديم يغنى بوجهه، وما الذى أغناه عن حمل الكأس والإبريق، فلما قال فى البيت الثانى:

فعل المدام ولونها ومذاقهافى مقلتيه ووجنتيه وريقه
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «أرقدت عن قلق الفؤاد مشوقه»

وأراد أن المقلتين يسكران من نظر إليهما ويخجلانه كما تسكر الخمر العقول وتحيرها وتدهشها وحمرة المدام تشبهها حمرة خديه، ومذاق المدام يشبه ريقه، صار البيت موضحا لهذه الأمور الثلاثة مبينا لها ولحكمها، والمقرطق بالقافين، لابس القباء، والمقرطف. بقاف وفاء هو اللابس لثوب له خمل والله أعلم.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.