من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
الصنف العاشر التتميم
وهو تفعيل من قولهم تممه إذا أكمله، وهو فى مصطلح علماء البيان عبارة عن تقييد الكلام بفضلة لقصد المبالغة، أو للصيانة عن احتمال الخطأ، أو لتقويم الوزن، فهذا تقرير معناه فى مراد علماء البلاغة، ثم يرد على أوجه ثلاثة، إما للمبالغة، وإما للصيانة، وإما لإقامة الزنة على حد ما ذكرناه فى شرح ماهيته، أولها أن يكون واردا على جهة المبالغة بأن تكون الفائدة فى تلك الفضلة إنما هى المبالغة لا غير، ومثاله قول زهير:
من يلق يوما على علّاته هرمايلق السّماحة منه والنّدى خلقا
فقوله «على علاته» تتميم للمبالغة، فوقعت فى غاية الحسن والرشاقة كما ترى، والمراد بقوله على علاته أى على حالاته وكقوله يمدح هرما أيضا:
إن الكريم على علاته هرم
فهذه اللفظة حصل من أجلها مبالغة فى المدح لا يخفى. وثانيها أن تكون واردة على جهة الصيانة عن احتمال الخطأ فترد رافعة له، ومثاله ما قاله بعض الشعراء:
فسقى ديارك غير مفسدهاصوب الرّبيع وديمة تهمى
فقوله غير مفسدها فضلة واردة لرفع الإيهام الحاصل ممن يدعو على الديار بكثرة المطر ليكون مفسدا لها، فانظر إلى موقع هذه اللفظة ما أرقه وما ذاك إلا من أجل ما اشتملت عليه من هذا الاحتراز الذى ذكرناه، وهكذا قول من قال:
لئن كان باقى عشينا مثل ما مضىفللحبّ إن لم يدخل النار أروح
فقوله إن لم يدخل النار معناه سلامة العاقبة، وأراد أن أول الحب كان فيه بلهنية وخفض عيش ولذة وراحة، فإن كان آخره مثل أوله فالحب لا محالة أحمد عاقبة، لكن بشرط أن تكون العاقبة فيه سليمة عما يشوبها، لأن الحب الأكثر فيه أن يكون خطأ تكاد أن تكون عقابه وخيمة يدخل بسببها النار، فإذا كان هذا سليمة عواقبة فهو أروح، يعنى مشتهى لسلامته عما لا يكاد ينفك عنه. وثالثها أن يكون واردا على جهة الاستقامة للوزن ولا يحتاج إليه فى المبالغة ولا للاحتراز، ومثاله قول المتنبى:
وخفوق قلب لو رأيت لهيبهيا جنتى لرأيت فيه جهنّما
فإن المعنى تام، لكنه لما كان الوزن غير مستقيم لو انخرم عن قوله يا جنتى، أتى بها من أجل استقامة الزنة لا غير، فحصل طباق وحسن موقع لا يوجد مع حذفها، ولو قال عوضها «يا منيتى» لاستقام الوزن، لكن لا طباق فيها ولا يكون لها موقع حسن، وقد ذكرنا فيما سلف الاعتراض، وبينا ما يحسن منه وما يقبح، فأغنى عن الإعادة وبالله التوفيق.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع