تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

الصنف الحادى عشر الاستيعاب

وهو استفعال من قولهم: استوعبت ما فى القدح من اللبن شربا، إذا أتيت عليه. وهو فى لسان أهل البلاغة عبارة عن أن يتعلق بالكلام معنى له أقسام متعددة فيستوعبها فى الذكر ويأتى عليها، ومثاله قول عمر بن أبى ربيعة:

تهيم إلى نعم فلا الشمل جامعولا الحبل موصول ولا أنت تقصر
ولا قرب نعم إن دنت لك نافعولا نأيها يسلى ولا أنت تصبر
للشاعر عمر ابن أبي ربيعة، من قصيدة «أَمِنْ آلِ نُعْمِ أَنْتَ غَادٍ فَمُبْكِرُ»

فانظر إلى استيعابه جميع متعلقات قوله «تهيم بحيث لو عددها بحرف العطف لكان ذلك صحيحا جامعا، وقد جاء فى القرآن ما هذا حاله كقوله تعالى: يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً

فهذا التقسيم حاصر لا مزيد على حصره مع ما فيه من البلاغة التى ليس وراءها غاية، لأنه فى معنى، الناس على طبقاتهم واختلاف أحوالهم على أربعة أصناف، فمنهم من له بنات لا غير، ومنهم من له بنون، ومنهم ذو بنات وبنين، ومنهم من هو عقيم لا ولد له من ابن ولا بنت فهذه الآية مستوعبة لما ذكرناه، وكقول بشار:

فراح فريق فى الأسارى ومثلهقتيل وقسم لاذ بالبحر هاربه

فاستوعب أنواع التنكيل وتفريق الشمل، كأنه قال صاروا بين أسير ومقتول وهارب فى البحار لعله ينجو، وكما فعله عمرو بن الأهتم بهذيل فى قوله:

اشربا لا شربتما فهذيلمن قتيل وهارب وأسير

فاستوعب ما وقعوا فيه من أنواع العذاب بالقتل والأسر والتطريد، وكما قال بعض أهل الحماسة:

فهبها كشىء لم يكن أو كنازحبه الدّار أو من غيّبته المقابر

فجمع فى ذلك بين أنواع العدم حتى استوعبها، وكما قال نصيب:

فقال فريق القوم لمّا سألتهمنعم وفريق أيمن الله ما ندرى

فاستوعب جميع نوعى الجواب فى النفى والإثبات، فلم يبق بعد ذلك شىء، فما هذا حاله إذا ورد فى الكلام فى نظمه أو نثره كان أدل ما يكون على البلاغة وأقوم شىء فى الفصاحة، ولا يكاد يختص به إلا من رسخت قدمه فيها.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.