من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
الصنف الثانى عشر الإكمال
وهو إفعال، من أكمل الشىء إذا حصله على حالة لا زيادة عليها فى تمامه، وهو فى مصطلح علماء البيان مقول على أن تذكر شيئا من أفانين الكلام، فترى فى إفادته المدح كأنه ناقص لكونه موهما بعيب من جهة دلالة مفهومه فتأتى بجملة فتكمله بها تكون رافعة لذلك العيب المتوهم، وهذا مثاله أن تذكر من كان مشهورا بالشجاعة دون الكرم، ومن كان عالما بالبلاغة دون سداد الرأى ونفاذ العزيمة، فترى فى ظاهر الحال أنه ناقص بالإضافة إلى عدم تلك الصفة المفقودة عنه، فتذكر كلاما يكمل المدح ويرفع ذلك التوهم كما قال كعب بن سعد الغنوى فى ذلك:
حليم إذا ما الحلم زيّن أهلهمع الحلم فى عين العدوّ مهيب
فإنه لو اقتصر على قوله «حليم إذا ما الحلم زين أهله» لأوهم إلى السامع أنه غير واف بالمدح، لأن كل من لا يعرف منه إلا الحلم ربما طمع فيه عدوه فنال منه ما يذم به، فلما كان ذلك متوهما عند إطلاقه أردفه بما يكون رافعا للاحتمال مكملا للفائدة بوصف الحلم، وهو قوله «مع الحلم فى عين العدو مهيب» ليدفع به ما ذكرناه من التوهم، وكقول السموءل بن عادياء:
وما مات منا سيّد فى فراشهولا طلّ منا حيث كان قتيل
فلو اقتصر على قوله: «وما مات منا سيد فى فراشه» لأوهم أنهم صبر على الحروب والقتل دون الانتصار من أعدائهم فلا جرم أكمله بقوله «ولا طل منا حيث كان قتيل» فارتفع ذلك الاحتمال المتوهم وزال، وكما قال ابن الرومى نثرا: إنى وليّك الذى لم يزل تنقاد إليك مودته من غير طمع ولا جزع، وإن كنت ولذى الرغبة مطلبا، ولذى الرهبة مهربا، فلو سكت على قوله إنى وليك الذى لم يزل تنقاد إليك مودته من غير طمع ولا
جزع، لأوهم أنه لا يطمع فيه لقلة ذات يده ولا يرهب منه لعجزه، فلما قال وإن كنت لذى الرغبة مطلبا لذى الرهبة مهربا، أكمله ورفع الاحتمال الذى ذكرناه، والتفرقة بين الإكمال والتتميم ظاهرة مع كونهما مشتركين فى أنهما إنما زيدا من أجل رفع الوهم عن تخيل ما يحط من المدح ويسقطه، وحاصلها من جهة اللفظ ومن جهة المعنى، أما من جهة اللفظ فهو أن التتميم إنما يقال فى شىء نقص ثم تمم بغيره، بخلاف الإكمال فإنه تام لم ينقص منه شىء، خلا أنه أكمل بغيره، فصار الأول بالزيادة تاما، وصار الثانى بالزيادة كاملا، وأما من جهة المعنى فهو أن التتميم إنما يذكر من أجل رفع احتمال متوهم، فلهذا افترقا، فالإتمام يرفع الخطأ مما ليس ذما، والإكمال يرفع الذم المتوهم إذا لم يذكر، فهذا تقرير ما يمكن من التفرقة بينهما، ومن عرف أمثلتهما تحقق ما ذكرناه.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع