تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

الصنف الثالث والثلاثون حسن التخلص

اعلم أنا فيه قد ذكرنا من قبل، حسن المبادىء والافتتاحات، ورمزنا فيها إلى قول بالغ، يطلع على نكت جمة، ولطائف عجيبة، والذى نذكره ههنا هو ما ينبغى لكل متكلم من شاعر أو خطيب إذا كان قد أتى بما يصلح من الافتتاحات الحسنة فلا بد له من مراعاة التخلص الحسن، لأنه لابد له من تقديم الغزل، أو ذكر الفخر، أو ذكر أطروفة بأدب، ثم يذكر على أثره المدح، وعلى قدر براعة الشاعر والخطيب والمصنف يكون حسن التخلص إلى المقصود، بعد تقديم ما ذكرناه وقلّ ذلك أعنى حسن التخلص فى كلام المتقدمين، وقد جاء فى قول زهير:

إنّ البخيل ملوم حيث كانولكنّ الكريم على علاته هرم

ثم إن حسن التخلص يأتى على أوجه، فأحسن ما يأتى فى بيت واحد وهذا كقول مسلم بن الوليد يمدح البرامكة:

أجدّك ما تدرين أن ربّ ليلةكأنّ دجاها من قرونك ينشر
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أجدك ما تدرين أن رب ليلة»
سريت بها حتى تجلّت بغرّةكغرّة يحيى حين يذكر جعفر

فما هذا حاله قد فاق فى حسن التخلص من الغزل إلى المديح مع قصر الكلام وتقارب أطرافه، لما فيه من إدماج المبالغة فى مدح يحيى بالبر لابنه وجمعه فيه من المحاسن، وقد جاء فى بيتين كقول أبى تمام:

تقول فى قومس قومى وقد أخذتمنّا السّرى وخطا المهريّة القود
أمطلع الشمس تبغى أن تؤمّ بنافقلت كلّا ولكن مطلع الجود

فانظر إلى ما أبرزه من التخلص الرائق والمخرج الفائق، وربما جاء فى ثلاثة أبيات، ومثاله ما قاله أبو نواس يمتدح بنى العباس:

وإذا جلست إلى المدام وشربهافاجعل حديثك كلّه فى الكاس
وإذا نزعت عن الغواية فليكنلله ذاك النزع لا للنّاس
وإذا أردت مديح قوم لم تلمفى مدحهم فامدح بنى العبّاس
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «كيف النزوع عن الصبا والكاس»

فقاتله الله، ما أرق كلامه، وما أعجب ما جاء به من النسيب وحسن التخلص، فكأن ما جاء به رحيق مفلفل، أو نهر جار تسلسل، ومما جاء من التخلص الحسن فى بيتين قول أبى الطيب المتنبى:

مرّت بنا بين تربيها فقلت لهامن أين جانس هذا الشّادن العربا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دمع جرى فقضى في الربع ماوجبا»
فاستضحكت ثمّ قالت «كالمغيث» يرىليث الشّرى وهو من عجل إذا انتسبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دمع جرى فقضى في الربع ماوجبا»

ويكثر وجوده فى أشعار المتأخرين، كالمتنبى وأبى تمام والبحترى، ويعز وجوده فى قصائد المتقدمين أعنى التخلص القصير، فأما التخلصات الطويلة فلا بد لكل مادح منها وإن وجدت على تطويل فى القصائد الطوال، وإنما البراعة ما وجد من التخلص الرائق فى الكلام القصير كما أشرنا إليه والله أعلم، ومن نفيس ما يذكر فى التخلصات ما قاله أبو الطيب المتنبى أيضا:

أقبلتها غرر الجياد كأنماأيدى بنى عمر ان فى جبهاتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

فهذا من أعجب ما يذكر من الخلاص من النسيب إلى المديح فى أخصر لفظ وأقصره، وهو من بدائعه الحسنة، وعجائبه المستحسنة التى فاق بها على نظرائه، من أبناء زمانه، وتميز بها من بين أترابه وأقرانه، ومن رقيق التخلص ودقيقه ما قاله ابن الرومى يمدح رجلا بالكرم:

ما من مزيد فى بليّة عاشقوندىّ وجود فى أبى إسحاق

فهذا وما شاكله من مليح ما يذكر فى التخلصات القصيرة ويورد فى أمثلتها.

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.