من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
النظر الأول ما يكون متعلقا بالأمور الخبرية
وحقيقة الخبر إسناد أمر إلى غيره، إما على جهة المطابقة، أو خلافها، فقولنا «إسناد أمر إلى غيره» يعم الطلب والخبر، لأن كل واحد منهما لابد فيه من الإسناد، وقولنا «إما على جهة المطابقة أو غيرها» تخرج عنه الأمور الإنشائية، فإنه لا يعتبر فيها عدم المطابقة ولا ثبوتها بحال، وينقسم إلى صدق وكذب لا غير، لأنه إن طابق مخبره فهو الصدق، وإن كان غير مطابق فهو الكذب بعينه، ولا واسطة بين الصدق والكذب، وزعم الجاحظ أن كل ما طابق من الأخبار المخبر مع الاعتقاد أو الظن فهو صدق، وما لا يطابق معهما
فهو الكذب، وما عداهما فليس صدقا ولا كذبا، وهذا فاسد، فإنه لا واسطة تعقل بين النفى والإثبات، فإن طابق فهو الصدق بكل حال، وإن لم يطابق فهو كذب بكل حال، فلو جاز إثبات واسطة لكان فيه خروج عن القضايا العقلية، بإثبات الواسطة بينهما، وهو محال، وأقل ما يكون الإسناد، من جزءين كقولك زيد قائم، وعمرو خارج، إذ لابد من أمرين، مضاف ومضاف إليه، والغرض بالخبر إفادة السامع ما لا يعرفه، فينبغى أن يقتصر من التركيب على قدر الحاجة، والأخبار واردة فى كتاب الله تعالى أكثر من أن تحصى كالإخبار عن العلوم الغيبية، وكقوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً
وقوله تعالى: الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ
وقوله تعالى: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها
وهكذا الكلام فى قصص الأنبياء مع قومهم وأخبارهم، كقصة موسى، وفرعون، إلى غير ذلك مما حكاه الله تعالى عما كان وسيكون، ثم إن وروده على أوجه ثلاثة، أحدها أن يكون الخبر خاليا من التردد، وما هذا حاله من الأخبار، فإنه يكون مستغنيا عن مؤكدات الحكم، كقوله تعالى: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى
وقوله تعالى: وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا
إلى غير ذلك من الأخبار التى وردت ساذجة، لأنه لم يعرض فى حقها شىء، والغرض منها مطلق الإخبار، فلهذا وردت مطلقة كما ترى، وثانيها أن يطلب منها حسن تقوية بمؤكد إذا كان هناك تردد وهذا كقوله تعالى: إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ
وقوله تعالى: إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ
إلى غير ذلك مما يطلب به توكيد وتقوية للخبر، ولهذا وردت هذه الأخبار مؤكدة بإن، كما هو ظاهر، وثالثها أن يكون الخبر يعتقد إنكاره، فيجب تأكيده، وهذا كقولك: إن زيدا لقائم، لمن ينكر ذلك ويحيله، ولهذا قال تعالى فى المرة الأولى: إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ
لما أنكروا وكذبوا، وفى الثانية إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ
تأكيدا بحرفين لما ازداد إنكارهم وتكذيبهم، ويسمى الأول من الأخبار «ابتدائيا» لما كان الغرض به مطلق الخبر من غير تعرض لما وراءه، ويسمى الثانى «طلبيا» لما كان المقصود به الطلب، فيؤكد تقريره فى النفس ويوضحه، ويسمى الثالث «إنكاريا» لما كان المطلوب منه وجوب تأكيده بالحروف لأجل إنكاره، ومن المطلق قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
وليس منه قوله تعالى: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ
وقوله تعالى:
هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا
وقوله تعالى: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
ومن المؤكد قوله تعالى: إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ
وقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
فهذا وما شاكله مؤكد بحرف واحد، ومن المؤكد بحرفين قوله تعالى:
وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ
وقوله تعالى: وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ
وقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى
وهذا الخبر المؤكد قد يرد مؤكدا، إما من غير إنكار فيكون تأكيده حسنا، وقد يرد على جهة الإنكار فيكون تأكيده واجبا، والأمثلة فيه كثيرة، ثم إن الإسناد وارد على وجهين، الوجه الأول منهما حقيقى، وهو أن يكون الفعل مضافا إلى فاعله، وهذا كقولك: قام زيد، وضرب عمرو، وكقول الله تعالى:
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
وقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ
وقوله تعالى: وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ
إلى غير ذلك من الأخبار التى يكون إسنادها إلى فاعلها على جهة الحقيقة.
الوجه الثانى أن يكون الإسناد على جهة المجاز العقلى، والمراد من هذا هو أن إسنادها لى فاعلها يقضى العقل باستحالته، فلا جرم كان مجازا عقليا، وهو فى القرآن كثير، ويقال له المجاز المركب، والغرض أن مجازه ما كان إلا من أجل تركيبه، وهذا كقوله تعالى: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها
فإن الإخراج حقيقة فى الدلالة على معناه، والأرض حقيقة، لأنها موضوعة على معناها الأصلى، والمجاز إنما نشأ من جهة إسناد الإخراج إلى الأرض وهكذا قوله تعالى: وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً
فإن قوله: تُلِيَتْ
دالة على حقيقته، والآيات على حقيقتها، لكن المجاز جاء من جهة إسناد تُلِيَتْ
إلى الآيات، ونحو قوله:
حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ
فالأخذ على حقيقته، والأرض على حقيقتها، لكن المجاز حاصل من جهة إسناد الأخذ إلى الأرض، وقوله تعالى: يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ
فى قصة فرعون، فإن الذبح والأبناء دالان على معنييهما بالحقيقة، لكن المجاز إنما كان من أجل إسناد الذبح إلى فرعون، وليس ذابحا، وإنما الذابح غيره، هكذا حال الاستحياء فى قوله تعالى: وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ
فإذا عرفت أن المجاز ههنا إنما حصل من جهة الإسناد لا غير، فلا بد من مسند ومسند إليه، وقد يكونان حقيقتين، ومجازين، ومختلفين، فهذه أوجه أربعة، أولها أن يكونا على جهة الحقيقة، ومثاله قولك: أنبت الربيع البقل، فإن لفظتى أنبت، والربيع، دالان على حقيقتيهما، والمجاز من جهة الإسناد وقوله تعالى: يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً
فيجعل، والولدان، على حقيقتيهما والمجاز فى إسناد الجعل إلى اليوم كما ترى، وثانيها أن يكون على جهة المجاز، ومثاله قولنا: أحيا الأرض شباب الزمان، فإن الإحياء مجاز، والشباب مجاز، وإسناد الإحياء إلى الشباب مجاز أيضا، وثالثها أن يكون المسند فى نفسه، وهو قولنا: أنبت، حقيقة، والمسند إليه مجاز، وهو قولنا «شباب الزمان» فإسناد الإنبات إلى الشباب مجاز، ورابعها أن يكون المسند فى نفسه مجازا، والمسند إليه حقيقة، ومثاله قولنا: أحيا الأرض الربيع، فالإحياء مجاز، والربيع حقيقة، وإسناد الإحياء إلى الربيع مجاز أيضا، فصار واقعا على هذه الأوجه لا يخرج عنها، ويعرف كونه مجازا، إما بالقرينة العقلية فى مثل قولك:
أحيانى اكتحالى بطلعتك، ومحبتك جاءت بى إليك، فإن إسناد الإحياء إلى الاكتحال، والمجىء إلى المحبة، يستحيل من جهة العقل، فلهذا قضينا بكونه عقليا، وإما بالقرينة العادية فى مثل قولك: هزم الأمير الجند، والحقيقة أن الهازم عسكره، ونحو قولك: قتل الأمير اللص، والقاتل هو غيره، وإما بالقرينة اللفظية كقولنا: عيشة راضية، والحقيقة مرضية، وشعر شاعر، والحقيقة مشعور به، وليله قائم، أى مقوم فيه، ونهاره صائم، فإسناد هذه الألفاظ هو الذى أوجب كون هذه الأخبار مجازا، فلأجل ذلك كانت هذه القرينة لفظية، وإنما عدل فيما ذكرناه عن حقيقته، لما كان المجاز مشتملا على المبالغة الرائقة.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع