من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح» لبهاء الدين السبكي (ت ٧٧٣هـ)
والثانية: المطلوب بها صفة
فإن لم يكن الانتقال بواسطة:
فقريبة واضحة؛ كقولهم - كناية عن طول القامة: طويل نجاده، وطويل النجاد خ خ، والأولى ساذجة، وفى الثانية تصريح ما، لتضمّن الصفة الضمير، أو خفية؛ كقولهم - كناية عن الأبله -: عريض القفا خ خ.
ــ
الكناية ما تقابل الصريح، والحد والرسم صريحان فى المعنى، وكذلك الكنى التى هى أحد أنواع الأعلام صرحوا بأنها كناية، وفيه نظر؛ لأن الكنية علم، والعلم صريح فى مسماه، فلا فرق بين دلالة أبى عبد الله ودلالة زيد العلمين عليه.
الكناية (الثانية المطلوب بها) أى المكنى عنه (صفة) وهى قسمان: قريبة، وبعيدة، لأنها إن لم يكن انتقال الذهن من الكناية إلى المكنى عنه بواسطة فهى قريبة، وإلا فبعيدة، والقريبة إما واضحة، أو خفية فالواضحة كقولهم فى الكناية عن طويل القامة:
" طويل نجاده" وذلك كناية ساذجة، وكقولهم:" طويل النجاد" وذلك كناية مشتملة على تصريح ما لتضمن الصفة فيه وهى" طويل" ضمير الموصوف بخلاف المثال قبله، فإن قولك:" طويل نجاده" ليس فى لفظ الطويل منه ضمير؛ لأنه مسند إلى الظاهر، ومنها قول الحماسى:
أبت الروادف والثّدىّ لقمصهامسّ البطون وأن تمسّ ظهورا
والحصة التى لا ينتقل الذهن فيها بواسطة، كقولهم فى الكناية عن الأبله: عريض القفا، قال الشاعر:
عريض القفا ميزانه فى شماله
فإن عرض القفا، وعظم الرأس إذا أفرطا دليل الغباوة، ولذلك قال طرفة:
أنا الرّجل الضّرب الّذى تعرفونهخشاش كرأس الحيّة المتوقّد
وإن كان بواسطة: فبعيدة؛ كقولهم: كثير الرماد كناية عن المضياف؛ فإنه ينتقل من كثرة الرماد إلى كثرة إحراق الحطب تحت القدور، ومنها إلى كثرة الطبائخ، ومنها إلى كثرة الأكلة، ومنها إلى كثرة الضّيفان، ومنها إلى المقصود.
ــ
أما عظم الرأس ما لم يفرط، فإنه دليل على علو الهمة، وقد جاء فى وصف هند بن أبى هالة رسول الله ﷺ" أنه كان عظيم الهامة" وأما البعيدة فهى ما كان انتقال الذهن منها إلى المكنى عنه بواسطة، كقولهم:" كثير الرماد" كناية عن المضياف، فإنه ينتقل الذهن من كثرة الرماد إلى كثرة إحراق الحطب تحت القدور، ثم ينتقل منها إلى كثرة الطبائخ، ثم ينتقل منها إلى كثرة الأكلة، ثم من كثرة الأكلة إلى كثرة الضيفان، ثم من كثرة الضيفان إلى المقصود، كذا قال المصنف. والسكاكى قال: ينتقل من كثرة الرماد لكثرة الجمر، ومن كثرة الجمر لكثرة إحراق الحطب، وينبغى أن يجعل المكنى عنه هنا كونه كريما لا كونه مضيافا، وإلا فقوله:" من كثرة الضيفان إلى المقصود" إذا جعلنا المقصود فيه كونه مضيافا، فذلك يحصل بكثرة الضيفان، فهو صريح فيه لا مكنى به عنه، ومثل - أيضا - البعيدة بقوله عن الأبله:" عريض الوسادة" فإنه ينتقل من عرض الوسادة إلى عرض القفا، ومنه إلى المقصود من البله، وجعله السكاكى من القريبة على أنه كناية عن عرض القفا، ومنه قوله ﷺ لعدى بن أبى حاتم" إن كان وسادك لعريضا" وذلك حين نزلت: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ فعمد إلى خيطين: أبيض، وأسود فصار ينظر إليهما. قال المصنف: وفيه نظر، ووجه النظر أنه لو كان كناية عن عرض القفا لكان هو المقصود فلا يكون كناية عن البله، والغرض خلافه، والحق أنه يصح أن يكون مثالا لهما، فإن قصد الكناية عن البله فهو مثال للبعيدة، أو الكناية عن عرض القفا فهو كناية قريبة، ومن البعيدة قوله:
وما يك فىّ من عيب فإنّىجبان الكلب مهزول الفصيل
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع