من «نزهة الألباء في طبقات الأدباء» لأبي البركات الأنباري (ت ٥٧٧هـ)
أبو نواس
ماذا روى «نزهة الألباء في طبقات الأدباء» عن ابو نواس؟
وأما أبو علي الحسن بن هانئ المعروف بأبي نواس الشاعر؛ فإنه ولد بالأهواز، ونشأ بالبصرة؛ وقيل: كان مولى للجراح بن عبد الله الحكمي والي خراسان.
واختلف إلى أبي زيد الأنصاري وكتب عنه الغريب، وحفظ عن أبي عبيدة معمر بن المثنى أيام العرب، ونظر في نحو سيبويه.
قال عمرو بن بحر الجاحظ: ما رأيت رجلاً أعلم باللغة من أبي نواس، ولا أفصح لهجةً؛ مع حلاوة ومجانبة للاستكره. وقال الشعر، وكان يستشهد بشعره.
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: كان أبو نواس للمحدثين؛ كامرئ القيس للمتقدمين.
وقال إسحاق بن إسماعيل: قال أبو نواس: ما قلت الشعر حتى رويت لستين امرأة من العرب، منهم الخنساء وليلى؛ فما ظنك بالرجال! وقال ميمون: سألت أبا يوسف يعقوب بن السكيت عما يختار لي روايته من الشعر، فقال: إذا رويت من أشعار الجاهليين فلامرئ القيس والأعشى، ومن الإسلاميين فلجرير والفرزدق، ومن المحدثين فلأبي نواس، فحسبك.
وقال أبو العباس المبرد عن الجاحظ، قال: سمعت إبراهيم النظام يقول وقد أنشد شعر أبي نواس في
الخمر: هذا الذي جمع له الكلام فاختار أحسنه.
وقال في حقه سفيان بن عيينة: هذا أشعر الناس - يعني أبا نواس.
وقال الجاحظ: لا أعرف من كلام الشعراء أرفع من قول أبي نواس:
أية نار قدح القادحوأي جد بلغ المازح
وأنشد الأبيات.
قال الإمام محمد بن إدريس الشافعي ﵀: دخلت على أبي نواس؛ وهو يجود بنفسه، فقلت: ما أعددت لهذا اليوم؟ فقال:
تعاظمني ذنبي فلما قرنتهبعفوك ربي كان عفوك أعظما
وقال محمد بن زكرياء: دخلت على أبي نواس وهو يكيد بنفسه، فقال لي: أتكتب؟ فقلت: نعم، فأنشأ يقول:
دب في الفناء سفلاً وعلواوأراني أموت عضواً فعضوا
ذهبت شرتي بحدة نفسيوتذكرت طاعة الله نضوا
ليس من ساعة مضت بي إلانقصتني بمرها بي جزوا
لهف نفسى على ليال وايام تمليتهن لعبا ولهوا
وأسأنا كل الإساءة يا رب فصفحاً عنا إلهي وعفوا
وحكى أبو جعفر الصائغ، قال: لما احتضر أبو نواس قال: اكتبوا هذه الأبيات على قبري:
وعظتك أجداثٌ صمتونعتك أزمنةٌ عفت
وتكلمت عن أوجهتبكي وعن صورٍ سبت
وأرتك قبرك في القبو_ر وأنت حي لم تمت ورثى على قبره مكتوب:
يا كبير الذنب عفو اللهـ عن ذنبك أكبر
قال ابن أبي سعيد: مات أبو نواس سنة ثمان وتسعين ومائة.
وقال محمد بن الحسين الأنصاري سلف أبي نواس وجماعة آخر: ولد أبو نواس سنة خمس وأربعين ومائة، ومات ببغداد سنة ست وتسعين ومائة، في خلافة محمد الأمين
بن الرشيد.
وقيل: ولد سنة ست وثلاثين ومائة ومات سنة خمس وتسعين ومائة، وكان عمره تسعاً وخمسين سنة، ودفن في مقابر الشونيزي.
وقال أحمد بن يحيى، عن محمد بن رافع، قال: كان أبو نواس لي صديقاً، فوقعت بيني وبينه هجرة في آخر عمره، ثم بلغتني وفاته؛ فتضاعف علي الحزن؛ فبينا أنا بين النائم واليقظان؛ إذا أنا به، فقلت: أبو نواس! فقال: لات حين كنية! قلت: الحسن بن هانئ؟ قال: نعم، قلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بأبيات قلتها، هي تحت ثني الوسادة؛ فأتيت أهله؛ فلما أحسوا بي أجهشوا بالبكاء، فقلت: هل قال أخي شعراً قبل موته؟ قالوا: لا نعلم؛ إلا أنه دعا بدواة وقرطاس، وكتب شيئاً، لا ندري ما هو؟ فقلت: أتأذنون لي أن أدخل؟ فدخلت إلى مرقده، فإذا ثيابه لم تحرك بعد؛ فرفعت وسادة فلم أر شيئاً، ثم رفعت أخرى؛ فإذا أنا برقعة فيها مكتوب:
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرةفلقد علمت بأن عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسنفبمن يلوذ ويستجير المجرم
أدعوك رب، كما أمرت، تضرعاًفإذا رددت يدي، فمن ذا يرحم
ما لي إليك وسيلةٌ إلا الرجاوجميل عفوك ثم أني مسلم
النص من طبعة مكتبة المنار بالزرقاء (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع