من «نزهة الألباء في طبقات الأدباء» لأبي البركات الأنباري (ت ٥٧٧هـ)
أبو محمد اليزيدي
وأما اليزيدي؛ فهو أبو محمد يحيى بن المبارك بن المغيرة المقرئ، صاحب أبي عمر بن العلاء البصري؛ وهو مولى لبني عدي بن عبد مناة؛ وإنما قيل له اليزيدي؛ لأنه صحب يزيد بن منصور - خال المهدي - يؤدب ولده فنسب إليه؛ ثم اتصل بالرشيد، فجعله مؤدب المأمون. وكان الكسائي مؤدب أخيه عبد الله الأمين.
وكان عالماً باللغة والنحو وأخبار الناس، ولم يكن في النحو في طبقة الخليل وسيبويه والأخفش؛ وكان قد أخذ علم العربية من أبي عمرو بن العلاء، وعبد الله ابن أبي إسحاق الحضرمي، والخليل بن أحمد، وأخذ عنه أبو عبيد القاسم بن سلاّم، وإسحاق بن إبراهيم الموصلي وغيرهما.
وقال أبو حمدون الطيب بن إسماعيل: شهدت ابن أبي العتاهية، وقد كتب عن أبي محمد اليزيدي قريباً من ألف جلد، عن أبي عمرو بن العلاء خاصة، يكون ذلك نحو عشرة آلاف ورقة؛ لأن تقدير الجلد عشر ورقات.
وأخذ عن الخليل من اللغة أمراً عظيماً، وأخذ عنه العروض؛ إلا أن اعتماده كان على أبي عمرو بن العلاء؛ لسعة علم أبي عمرو باللغة.
وكان اليزيدي يعلم بحذاء دار أبي عمرو، وكان أبو عمرو يميل إليه ويدنيه لذكائه. وكان اليزيدي صحيح الرواية، ثقة صدوقاً.
وألف من الكتب كتاب "النوادر" في اللغة على مثال "نوادر الأصمعي" الذي
عمله لجعفر بن يحيى، وألف كتاب "المقصور والممدود"، ومختصراً في النحو، وكتاب "النقط والشكل"؛ وغير ذلك.
وكان أيام الرشيد مع الكسائي ببغداد في مسجد واحد يقرئان الناس.
قال الأثرم: دخل اليزيدي يوماً على الخليل، وعنده جماعة، وهو جالس على وسادة، فأوسع له، فجلس معه اليزيدي على وسادته، فقال له اليزيدي: أحسبني قد ضيّقت عليك! فقال الخليل: ما ضاق مكان على اثنين متحابين؛ والدنيا لا تسع اثنين متباغضين.
ويحكى أنه تكلم اليزيدي مع الكسائي بين يدي الرشيد، فظهر كلامه على الكسائي، فرمى بقلنسوته فرحاً بالغلبة، فقال الرشيد: لأدب الكسائي مع انقطاعه أحب إلينا من غلبك مع سوء أدبك.
ويروى أن المأمون سأل اليزيدي عن شيء، فقال: لا وجعلني الله فداءك يا أمير المؤمنين! فقال: لله درك! ما وضعت واوٌ موضعاً قط [في لفظ] أحسن منها في لفظ مثل هذا، ووصله بعطية سنية.
وكان اليزيدي أحد الشعراء، وله جامع شعر وأدب، وفيه قصيدته التي يمدح بها نحويي البصرة، ويهجو نحويي الكوفة؛ التي أولها:
يا طالب لعلم ألا فابكهبعد أبي عمرو وحماد
وقد قدمنا منها ذكر من مدحه من أهل البصرة، ثم ذكر فيها بعد ذلك عجز أهل الكوفة، فقال:
أفسده قوم وأزروا بهما بين أعبام وأوغاد
ذوى مراء وذوى لكنةلئام آباء وأجداد
لهم قياس أحدثوه لهمقياس سوء غير منقاد
فهم من النحوولو عمروا
أعمار عاد
في أبي جاد
فقوله: "أفسده قوم" أراد به أهل الكوفة.
وله أيضاً في ذمهم:
كنا نقيس النحو فيما مضىعلى لسان العرب الأول
فجاء أقوام يقيسونهعلى لغى أشياخ قطربل
فكلهم يعمل في نقض مابه يصاب الحق لا يأتلي
إن الكسائي وأصحابهيرقون في النحو إلى أسفل
وله أيضاً قصيدة يرثي بها الكسائي ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وكانا قد خرجا مع الرشيد إلى خراسان، فماتا في الطريق، فمنها:
تصرمت الدنيا فليس خلودوما قد ترى من بهجة سيبيد
سيغنيك ما أغنى القرون التي خلتفكن مستعداً فالفناء عتيد
أسيت على قاضي القضاة محمد=فأذريت دمعي والفؤاد عميد
وقلت إذا ما الخطب أشكل: من لنابإيضاحه يوماً وأنت فقيد
وأقلقني موت الكسائي بعدهوكادت بي الأرض الفضاء تميد
وأذهلني عن كل عيش ولذةوأرق عيني والعيون هجود
هما عالمان أوديا وتخرماوما لهما في العالمين مزيد
فحزني إن تخطر على القلب خطرةبذكرهما حتى الممات جديد
وكان اليزيدي الغاية في قراءة أبي عمرو بن العلاء، وبروايته يقرأ أصحابه. والمعتزلة يزعمون أنه كان من أهل العدل معتزلياً، والله أعلم بصحة ذلك.
وتوفي أبو محمد اليزيدي في سنة اثنتين ومائتين في خلافة المأمون بن الرشيد.
النص من طبعة مكتبة المنار بالزرقاء (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع