من «نزهة الألباء في طبقات الأدباء» لأبي البركات الأنباري (ت ٥٧٧هـ)
إسحاق الموصلي
ماذا روى «نزهة الألباء في طبقات الأدباء» عن إسحاق الموصلي؟
وأما أبو محمد بن إبراهيم بن ميمون الموصلي، فإنه أخذ الأدب عن الأصمعي وأبي عبيدة وغيرهما؛ وشرع في علم الغناء وغلب عليه، ونسب إليه؛ وهو صاحب كتاب الأغاني، ورواه عنه ابنه حماد. وأخذ عنه أبو العيناء والزبير ابن بكار.
وروى أبو خالد يزيد بن محمد المهلبي: قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم الموصلي، يقول: رأيت في منامي كأن جريراً ناولني كبة من شعر فأدخلتها في فمي، فقال بعض المعبرين: هذا رجل يقول من الشعر ما شاء.
وعن محمد بن عطية الشاعر، قال: كان يحيى بن أكثم في مجلس له، يجتمع الناس إليه، فوافى إسحاق بن إبراهيم الموصلي، فجعل يناظر أهل الكلام حتى انتصف منهم؛ ثم تكلم في الفقه فأحسن، واحتج، تكلم في الشعر واللغة ففاق من حضر، فأقبل على يحيى بن أكثم فقال: أعز الله تعالى القاضي! أفي شيء مما ناظرت فيه وحكيته نقص أو مطعن؟ قال: لا، قال: فما بالي أقوم بسائر العلوم قيام أهلها، وأنسب إلى فن واحد قد اقتصر الناس عليه! قال العطوي: فالتفت إلي يحيى بن أكثم، فقال: جوابه في هذا عليك -وكان العطوي من أهل الجدل- قال: فقلت: نعم أعز الله القاضي! جوابه علي، ثم التفت إلى إسحاق، وقلت: يا أبا محمد، أنت كالفراء والأخفش في النحو؟ فقال: لا، فقلت: أفأنت في اللغة كالأصمعي وأبي عبيدة؟ قال: فقلت له: أفأنت في الأنساب كالكلبي؟ قال: لا، فقلت: فأنت في الكلام كأبي الهذيل
والنظام؟ قال: لا، قلت: فمن هاهنا نسبت إلى ما نسبت إليه؛ لأنه لا نظير لك فيه ولا شبيه، وأنت في غيره دون أوفى أهله! فضحك وقام وانصرف، فقال يحيى بن أكثم: لقد وفيت الحجة حقها، وفيها ظلم قليل لإسحاق؛ وإنه ليقل في الزمان نظيره.
وحكى الحسن بن يحيى الكاتب عن إسحاق الموصلي، قال: أنشدت الأصمعي شعراً لي على أنه لشاعر قديم [وهو]:
هل إلى نظرةٍ إليك سبيليرو منها الصدى ويشفي الغليل
إن ما قل منك يكثر عنديوكثير من المحب القليل
فقال: هذا والله الديباج الخسرواني، فقلت له: إنه ابن ليلته، فقال: لا جرم! إن أثر الصنعة فيه، فقلت: لا جرم! إن أثر الحسد فيك.
وقال محمد بن عبد الله: ما سمعت ابن الأعرابي يصف أحداً بمثل ما كان يصف به إسحاق من العلم والصدق والحفظ؛ وكان كثيراً ما يقول: هل سمعت بأحسن من ابتدائه في قوله:
هل إلى أن تنام عيني سبيلإن عهدي بالنوم عهد طويل!
هل تعرفون من شكا نومه بأحسن من هذا اللفظ الحسن! قال محمد بن علي: سمعت إبراهيم الحربي يقول: كان إسحاق الموصلي
ثقة صدوقاً عالماً، وما سمعت منه شيئاً، ولوددت أني سمعت منه.
وقال محمد: وسمعت أبا العباس يقول هذا القول.
وتوفي إسحاق بن إبراهيم الموصلي سنة خمس وثلاثين ومائتين، في خلافة المتوكل.
النص من طبعة مكتبة المنار بالزرقاء (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع