تجاوز إلى المحتوى

من «نزهة الألباء في طبقات الأدباء» لأبي البركات الأنباري (ت ٥٧٧هـ)

ابن السكيت

، وهو حدث، وقال: يا أبا الحسن؛ إنما تقول العرب: "مثقل استعان بدفيه"، تريد أن الجمل إذا أنهض للحمل وهو مثقل استعان بجنبيه؛ فقطع الإملاء؛ فلما كان في المجلس الثاني أملى: تقول العرب: "هو جاري مكاشري"، فقام إليه ابن السكيت أيضاً فقال: أعزك الله تعالى! وما معنى "مكاشري"! إنما هو "مكاسري" بمهملة، أي كسر بيتي إلى [كسر] بيته.

قال: فقطع الإماء، فما أملى بعد ذلك شيئاً.

ويحكى أن اللحياني أول من صحف هذا المثل؛ وهو قوله: يا حابل اذكر حلا"، أي يا من شد الحبل اذكر وقت حله، فقال: "يا خامل اذكر حلا"؛ وهو تصحيف لا وجه له.

ابن السكيت

أما أبو يوسف يعقوب بن إسحاق السكيت؛ فإنه كان من أكابر أهل اللغة، كان مؤدب ولد جعفر المتوكل على الله، والسكيت لقب أبيه إسحاق؛ وأخذ عن أبي عمرو الشيباني والفراء وابن الأعرابي، وأخذ عنه أبو سعيد السكري وأبو عكرمة الضبي.

وذكر محمد بن الفرج، قال: كان يعقوب يؤدب مع أبيه بمدينة السلام في

درب القنطرة صبيان العامة، حتى احتاج إلى الكسب، فجعل يتعلم النحو. وكان أبوه رجلاً صالحاً، وكان من أصحاب الكسائي، حسن المعرفة بالعربية؛ وكان يقول: أنا أعلم من أبي بالنحو، وأبي أعلم مني بالشعر واللغة.

وحكي عن أبيه أنه حج وطاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، وسأل الله تعالى أن يعلم ابنه النحو، قال: فتعلم النحو واللغة، وجعل يختلف إلى قوم من أهل القنطرة، فأجروا في كل دفعة دراهم وأكثر؛ حتى اختلف إلى بشر وإبراهيم ابني هارون - أخوين كان يكتبان لمحمد بن طاهر - فما زال يختلف إليهما وإلى أولادهما دهراً، واحتاج ابن طاهر إلى رجل يعلم ولده، وجعل ولده في حجر إبراهيم، وقطع ليعقوب خمسمائة درهم، ثم جعلهما ألف درهم، وكان يعقوب قد خرج قبل ذلك إلى سر من رأى في أيام المتوكل [فصيره عبد الله بن يحيى بن خاقان عند المتوكل]، فضم إليه ولده وأنسى له الرزق.

قال الحسين بن عبد المجيب: سمعت يعقوب بن السكيت في مجلس أبي بكر بن أبي شيبة يقول:

ومن الناس من يحبك حباظاهر الحب ليس بالتقصير
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «ومن الناس من يحبك حبا»
فإذا ما سألته نصف فلسالحق الحب باللطيف الخبير

وقال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد: ما رأيت للبغدادين كتاباً خيراً

من كتاب يعقوب بن السكيت في المنطق.

وتوفي يعقوب سنة ثلاث وأربعين ومائتين - وكان ذلك في خلافة المتوكل.

وقيل: إنه قتله المتوكل، وذلك أنه أمره المتوكل بشتم رجل من قريش فلم يفعل، وأمر القرشي أن ينال منه، فأجابه يعقوب، فلما أن أجابه قال له المتوكل: أمرتك أن تفعل فلم تفعل، فلما شتمك فعلت! وأمر بضربه، فحمل من عنده صريعاً مقتولاً، ووجه المتوكل من الغد إلى بني يعقوب عشرة آلاف درهم دية.

النص من طبعة مكتبة المنار بالزرقاء (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نزهة الألباء في طبقات الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.