من «نزهة الألباء في طبقات الأدباء» لأبي البركات الأنباري (ت ٥٧٧هـ)
الأزهري
وأما أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر الأزهري، فإنه أخذ عن المنذري، وروى عنه المبرد أنه قال: النبع والشوحط
والشربان شجرة واحدة، ولكنها تختلف أسماؤها بحسب اختلاف أماكنها، فما كان منها قلة الجبل فهو النبع، وما كان في سفح الجبل فهو الشريان، وما كان منها في الحضيض فهو الشوحط.
وأخذ عنه أبو عبيد الهروي صاحب الغريبين. وكان أبو عبيد أديباً فاضلاً، قال: سمعت الأزهري، يقول في قوله تعالى:] هو أهل التقوى وأهل المغفرة [، المعنى أنه يؤنس باتقائه؛ لأنه يؤدي إلى الجنة، ويؤنس بمغفرته لأنه غفور، يقال: أهلت بفلان آهل به؛ إذا أنستبه، وهم أهلي وآهلتي، أي هم الذين آنس بهم.
وصنف الكتاب المشهور في اللغة، وهو كتاب تهذيب اللغة، وهو أكبر كتاب صنف في اللغة وأحسنه، وكتاباً في تفسير ألفاظ المزني؛ إلى غير ذلك.
الصاحب بن عباد
وأما الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد، فإنه كان غزير الفضل، متفنناً في العلوم، أخذ عن أبي الحسين بن فارس، وأبي الفضل بن العميد.
ويحكى أنه لما رجع من بغداد دخل على الأستاذ أبي الفضل بن العميد، فقال له: كيف وجدت بغداد؟ قال: بغداد في البلاد، مثل الأستاذ في العباد.
وأنشده الصاحب:
أفاضل الدنيا وإن برزوالم يبلغوا غاية أستاذها
أما ترى أمصارها جمةولا ترى مصراً كبغداذها
وكان بين الصاحب وبين أبي بكر الخوارزمي شيء، فبلغ الصاحب عنه أنه هجاه بقوله:
لا تمدحن ابن عباد وإن هطلتكفاه بالجود سحاً يخجل الديما
فإنها خطرات من وساوسهيعطي ويمنع، لا بخلاً ولا كرما
وظلمه بهذا القول، فلما بلغ الصاحب موت أبي بكر أنشد:
سألت بردياً من خراسان جائياًأمات خوارزميكم؟ قال لي: نعم
فقلت: اكتبوا بالجص من فوق قبرهألا لعن الرحمن من كفر النعم
وصنف تصانيف كثيرة: كالوقف والابتداء، والعروض، وجوهرة الجمهرة، والأخذ على أبي الطيب المتنبي، وكتاب الرسائل، إلى غير ذلك.
ويحكى عنه أنه لما صنف كتاب الوقف والابتداء كان ذلك في عنفوان شبابه، فأرسل إليه أبو بكر بن الأنباري وقال له: إنما صنفت كتاب الوقف والابتداء بعد أن نظرت في سبعين كتاباً تتعلق بهذا العلم، فكيف صنعت هذا الكتاب مع حداثة سنك؟ فقال الصاحب للرسول: قل للشيخ: نظرت في النيف وسبعين التي نظرت فيها، ونظرت في كتابك أيضاً.
وكان الصاحب صاحب بلاغة وفصاحة، سمح القريحة؛ يحكى أنه دخل رجل فجعل يكرر السجود، فقال له: تسجد كأنك هدهد! ويحكى أيضاً أنه دخل عليه رجل فقال له: من أين أنت! فقال: من "بنج ده"، وهي بالفارسية خمس قرى، فقال له الصاحب: يحمق من كان من قرية واحدة، فكيف من كان من خمس قرى! ويحكى أنه رأى أحد ندمائه متغير اللون، فقال له: ما الذي بك؟ قال: حمى! فقال له الصاحب: "قه"، فقال النديم: "ده"، فاستحسن الصاحب ذلك منه، وخلع عليه.
وكان الصاحب يذهب إلى مذهب أهل العدل، وفي ذلك يقول:
تعررفت بالعدل في مذهبيودان بحسن جدالي العراق
فكلفت في الحب ما لم أطقفقلت بتكليف ما لا يطاق
وتوفي سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، في خلافة العادل بالله تعالى.
النص من طبعة مكتبة المنار بالزرقاء (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع