من «نزهة الألباء في طبقات الأدباء» لأبي البركات الأنباري (ت ٥٧٧هـ)
الخطيب التبريزي
وأما أبو زكرياء يحيى بن علي بن محمد بن الحسن بن بسطام الشيباني الخطيب التبريزي، فإنه كان أحد أئمة اللغة والنحو. أخذ عن أبي العلاء
المعري وأبي القاسم عبيد الله بن علي الرقي وأبي محمد الدهان اللغوي. ودرس الأدب بالمدرسة النظامية ببغداد.
وصنف تصانيف جمة، فمنها كتاب غريب القرآن، وكتاب مقاتل الفرسان، وكتاب الكافي في علمي العروض والقوافي، وشرح اللمع لابن جني، وشرح الحماسة، وديوان المتنبي والمفضليات، والسبع الطوال، والمقصورة لابن دريد، وسقط الزند للمعري، إلى غير ذلك من التصانيف.
وأخذ عنه جماعة، كشيخنا أبي منصور موهوب بن أحمد بن الخضر الجواليقي وأبي الحسن سعد محمد بن سهل الأنصاري وأبي الفضل بن ناصر وغيرهم. وسمعنا أنه كان غير مرضي الطريقة. والله أعلم.
وحكى ابن السمعاني عن أبي الفضل بن ناصر، أنه كان ثقة في اللغة وفيما ينقله.
وحكى أبو زكرياء عن أبي الجوائز الحسن
بن علي الواسطي، عن أبي الحسن المخلدي الأديب وغيره، أن المتنبي كان بواسط جالساً؛ وعنده ابنه محسد قائماً، وجماعة يقرؤون عليه، فورد إليه بعض الناس، فقال له، أريد أن يجيز لنا هذا البيت، وهو:
زارنا في الظلام يطلب سراًفافتضحنا بنوره في الظلام
فرفع رأسه، وقال: يا محسد، [قد] جاءك بالشمال فأته باليمين، فقال:
فالتجأنا إلى حنادس شعرسترتنا عن أعين اللُّوَّام
قال أبو الجوائز: معنى قول المتنبي لولده: قد جاءك بالشمال فأته باليمين أن اليسرى لا يتم بها عمل، وباليمنى تتم الأعمال، فأراد أن المعنى يحتمل زيادة فأوردها. وقد ألطف المتنبي في الإشارة، وأحسن ولده في الأخذ.
وحكى أيضاً أبو زكرياء، عن أبي الجوائز الواسطي، عن أبي الحسن بن أذين البصير النحوي، قال: حضرت مع والدي مجلس كافور الإخشيدي، فدخل إليه رجل، فقال في دعائه: أدام الله "أيام"، سيدنا بكسر ميم "أيام"، ففطن لذلك
جماعة من الحاضرين، أحدهما صاحب المجلس حتى حين شاع ذلك، فقام رجل من أوسط الناس، وأنشأ يقول:
لا غرو أن لحن الداعي لسيدناأو غص بالريق أو بهر
فتلك هيبته حالت جلالتهابين الأديب وبين الفتح بالحصر
وإن يكن خفض الأيام عن غلطفي موضع النصب، لا عن قلة النظر
فقد تفاءلت من هذا لسيدناوالفأل مأثور عن سيد البشر
بأن أيامه خفض بلا نصبوأن أوقاته صفوٌ بلا كدر
وأخبرنا أبن ناصر إجازة عن أبي زكرياء لنفسه:
فمن يسأم من الأسفار يوماًفإني قد سئمت من المقام
أفمنا بالعراق على رجاللئام ينتمون إلى لئام
وتوفي في جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسمائة، في خلافة أبي العباس أحمد المستظهر بأمر الله تعالى، ودفن بمقبرة باب أبرز.
النص من طبعة مكتبة المنار بالزرقاء (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع