تجاوز إلى المحتوى

من «نزهة الألباء في طبقات الأدباء» لأبي البركات الأنباري (ت ٥٧٧هـ)

أبو سعد الهروي

وأما أبو سعد آدم بن أحمد بن أسد الهروي، فإنه كان أديباً فاضلاً، عالماً باللغة، وورد بغداد حاجاً سنة عشرين وخمسمائة، وقرئ عليه بها الحديث والأدب.

وجرى بينه وبين شيخنا أبي منصور موهوب بن أحمد الجواليقي ببغداد نوع منافرة في شيء اختلفا فيه، فقال الأسدي للجواليقي: أنت لا تحسن أن تنسب نفسك، فإن الجواليقي نسبة إلى الجمع، والنسب إلى الجمع [بلفظه] لا تصح.

وهذا الذي يكره نوع مغالطة؛ فإن لفظ الجمع إذا سمي به جاز أن ينسب إليه بلفظه، كمدائني ومعافري وأنماري، وما أشبه ذلك، فكذلك هاهنا.

وتوفي أبو سعد الهروي لخمس بقين من شوال، سنة ست وثلاثين

وخمسمائة، في خلافة أبي عبد الله محمد المقتفي لأمر الله تعالى.

الزمخشري

وأما أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري، فإنه كان نحوياً فاضلاً، وأخذ عن أبي مضر، ورثاه ببيتين وهما:

وقائلة ما هذه الدرر التيتساقطها عيناك سمطين سمطين
للشاعر الزمخشري، من قصيدة «وقائلة ما هذه الدرر التي»
فقلت لها الدر الذي قد ملاأبو مضر أذني تساقط من عيني

وصنف كتباً حسنة، منها كتاب الكشاف عن حقائق التنزيل، وكتاب الفائق في غريب الحديث، وكتاب ربيع الأبرار، وكتاب أسماء الأودية والجبال، وكتاب المفرد والمؤلف في النحو، وكتاب المفصل في النحو، وكان يزعم أنه ليس في كتاب سيبويه مسألة إلا وقد تضمنها هذا الكتاب.

ويحكى أنه بعض أهل الأدب، أنكر عليه هذا القول، وذكر له مسألة من كتاب سيبويه، وقال: هذه ليست فيه، فقال: إنها إن لم تكن فيه نصاً فهي فيه ضمناً؛ وبين له ذلك.

وقدم إلى بغداد للحج،

فجاءه شيخنا الشريف ابن الشجري مهنئاً له بقدومه، فلما جالسه أنشده الشريف فقال:

كانت مساءلة الركبان تخبرنيعن أحمد بن داود أطيب الخبر
حتى التقينا فلا والله ما سمعتأذني بأحسن مما قدر أي بصري

وأنشده أيضاً:

واستكثر الأخبار قبل لقائهفلما التقينا صغر الخبر الخبر

وأثنى عليه، ولم ينطق الزمخشري حتى فرغ الشريف من كلامه، فلما فرغ، شكر الشريف وعظمه وتصاغر له، وقال: إن زيد الخيل دخل على رسول الله ﷺ، فحين بصر النبي ﷺ رفع صوته بالشهادة، فقال له الرسول ﷺ: "يا زيد الخيل، كل رجل وصف لي وجدته دون الصفة، إلا أنت، فإنك فوق ما وصفت". وكذلك الشريف، ودعا له، وأثنى عليه. قال: فعجب الحاضرون من كلامهما؛ لأن الخبر كان أليق بالشريف، والشعر أليق بالزمخشري.

ومدحه ابن دهاس السليماني فقيه مكة، فقال:

جميع قرى الدنيا سوى القرية التيتبوأها داراً فداء زمخشرا
للشاعر عُلَيّ بن وهاس، اقرأ القصيدة
وأحر بأن تزهى زمخشر بامرئإذا عد في أسد الشرى زمخ الشرى

وحكى أبو عمر عامر بن الحسن السمسار، قال: ولد خالي في خوارزم يزمخشر، يوم الأربعاء السابع والعشرين من رجب، سنة سبع وستين وأربعمائة، وتوفي بقصبة خوارزم، ليلة عرفة سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة.

النص من طبعة مكتبة المنار بالزرقاء (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نزهة الألباء في طبقات الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.