تجاوز إلى المحتوى

من «الروضة الفيحاء في أعلام النساء» لياسين الخطيب العمري (ت ١٢٣٣هـ)

دلوكة بنت الزباء

كانت صاحبة عقل وكمال، وتجارب ومعرفة وكانت في زمن موسى ﵇ ولما أغرق الله فرعون كان لها من العمر مائة وستين سنة، وذكر في كتاب "حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة": إنه لما أغرق الله فرعون في النيل هو وجنوده وأشراف أهل مصر وأكابرهم ووجوههم، كانوا أكثر من ألفي ألف فبقيت مصر خالية من الأشراف، ولم يبق بها إلا العبيد والأجراء والنساء، وصارت المرأة تعتق عبدها وتتزوجه، وتتزوج الأخرى أجيرها، فاجتمع أشراف من بمصر من النساء، وعقدت رأيهن على أن يولين عليهن دلوكة بنت الزباء، فملكوها عليهن فخافت أن يتناولها ملوك الأرض، فجمعت نساء الأشراف وقالت لهن: إن بلادنا لم يكن يطمع فيها أحد، وقد هلك أكابرنا وأشرافنا وذهب السحرة الذين كن نتقوى بهم، وقد رأيت أن أبني حصناً أحدق به جميع بلادنا، وأضع عليه المحارس، فبنت جداراً أحاطت على جميع أرض مصر كلها حتى المزارع والمدن والقرى، وجعلت دونه خليجاً يجري فيه الماء، وأقامت عليه القناطر، وجعلت فيه محارس ومسالح. على كل ثلاثة أميال محرس ومسلحة، وفيما بين ذلك محارس صغار، وجعلت في كل محرس رجالاً وأجرت عليهم الأرزاق، وأمرتهم أن يحرسوا بالأجراس، فإذا أتاهم أحد يخافونه ضربوا الأجراس من أية جهة كانت فيتحصنون، وفرغت من بنائه في ستة أشهر، وكان عندهم عجوز ساحرة اسمها تدورة، وكانت السحرة تعظمها وتقدمها في السحر، فأرسلت إليها دلوكة تقول: إنا قد احتجنا إلى سحرك فاعملي لنا شيئاً نغلب به من حولنا، فقد كان فرعون مع ملكه محتاجاً إليك، فقدمت إليهم وعملت بيتاً من حجارة في وسط مدينة منف، وجعلت له أربعة أبواب، وصورت فيه صور الخيل والبغال والحمير والسفن والرجال، وقالت لهم: هذا يغنيكم عن الحصن، فما أتاكم من أية جهة فتتحرك الصور من تلك الجهة يأتون منها، فما فعلتم بالصور من شيء أصاب العدو ذلك في أنفسهم، ولما بلغ الملوك ولاية النساء النساء طمعوا فيها، ولما دنوا منها، تحركت تلك الصور [التي في البيت]، وأصاب ذلك الجيش الذي أقبل من قطع الرؤوس، وقلع العيون، وبقر البطون، فيعودون بالخيبة، وملكتهم دلوكة عشرين سنة حتى بلغ من أبناء أكابرهم رجل يقال له دركون بن بطلوس فملكوه عليهم.

وذكر في "تفسير الفخر الرازي": قال وهب: إن فرعون يوسف هو فرعون موسى، وهذا غير صحيح، إذ كان بين دخول يوسف مصر وبين دخول موسى، ﵇، أكثر من أربعمائة سنة، وذكر في كتاب "عجائب مصر": قال الكندي: أجمعت الرواة على أنه لا يعلم جماعة أسلموا في ساعة واحدة أكثر من جماعة القبط، وهم السحرة الذين آمنوا بموسى ﵇ وأخرج ابن عبد الحكم عن عبد الله بن هبيرة قال: كان السحرة اثني عشر جزءاً رؤساء تحت يد كل ساحر منهم عشرون عريفاً تحت يد كل عريف منهم ألف من السحرة، فكان جميع السحرة مائتي ألف وأربعين ألف ومائتين واثنين وخمسين بالرؤساء والعرفاء. وذكر في "تفسير فخر الدين الرازي": لما أراد الله أن يعرق فرعون والقبط أمر موسى ﵇ أن يأمر بني إسرائيل أن يستعيروا حلي القبط، وذلك لغرضين أحدهما: ليخرجوا خلفهم لأجل المال، والثاني: أن تبقى أموال القبط في أيديهم، ونزل جبرائيل بالعشي فقال لموسى: أخرج قومك ليلاً، وذلك قوله تعالى (وأوحينا إلى موسى أن ٍأسر بعبادي إنكم متبعون) وكانوا ستمائة ألف نفس فلما خرج موسى ﵇ ببني إسرائيل بلغ ذلك فرعون فقال: لا تتبعوهم حتى يصيح الديك. فما صاح ديك تلك الليلة. فلما أصبح فرعون اجتمع إليه ستمائة ألف من القبط، وقيل ألف ألف ومائتا ألف نفس، فتتبعوهم نهاراً، وذلك قوله تعالى: (فأتبعوهم مشرقين) أي بعد شروق الشمس (فلما ترآءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون، قال كلا إن معي ربي سيهدين) فلما سار موسى وأتى البحر قال له يوشع بن نون، ﵇: أين أمرك ربك؟ فقال: إلى أمامك، وأشار إلى البحر، فأقحم يوشع فرسه البحر، فكان يمشي في الماء حتى سبح الفرس ثم عاد وقال: يا موسى أين أمرك ربك؟ فقال: البحر. فقال والله ما كذبت، وفعل كذلك ثلاث مرات، فأوحى الله إلى موسى ( ... أن اضرب بعصاك البحر ...) الآية، فانشق البحر اثنا عشر جبلاً في كل واحد منها طريق. فقال له: أدخل فكان فيه وحل، فهبب الصبا فجف البحر حتى صار يابساً، وذلك قوله تعالى: ( ... طريقاً في البحر يبساً ...) وأخذ كل سبط طريقاً، ثم اتبعهم فرعون فلمتا بلغ شاطئ البحر إبليس واقفاً ينهاه عن الدخول، فجاء جبرائيل، ﵇ على مهرة فتقدم فرعون، وكان إلى فحل فتبعه ودخل البحر فصاح ميكائيل ﵇ الحقوا آخركم بأولكم، فلما دخلوا البحر أمر الله الماء فنزل عليهم، وذلك قوله تعالى: ( ... وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون) وكان ذلك يوم عاشوراء، فصام موسى ﵇ شكراً لله تعالى، ذكر في "تفسير المدارك": أن شعيباً ﵇ كان عنده عصي الأنبياء، فقال لموسى بالليل: ادخل إلى ذلك البيت فخذ عصا من تلك العصي، فأخذ عصا هبط بها آدم من الجنة، ولم يزل الأنبياء يتوارثونها حتى وقعت إلى شعيب ﵇ فمسها، فضن بها وقال: خذ غيرها فما وقع بيد موسى ﵇ إلا هي سبع مرات، فعلم أن له شأنناً فأعطاه إياها وفيه: أيضاً لما انتهى موسى ﵇ إلى البحر، قال يوشه لموسى: أين أمرت فهذا البحر أمامك، وقد عشيك آل فرعون؟ فقال موسى: ههنا. فخاض يوشع الماء، وضرب موسى بعصا البحر فدخلوا. وروي, أن موسى ﵇ قال عند ذلك: يا من كان قبل كل شيء، والمكون لكل شيء، والكائن بعد كل شيء. انتهى، وكان غرق فرعون وقومه في النيل سنة ثلاث آلاف وثمانمائة وعشرين من هبوط آدم ﵇.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من المقالة الثانية في ذكر النساء الطالحات

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.