من «سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
الشيخ داود الأنطاكي الحكيم المشهور بالبصير
أعمى قائداه التوفيق والتسديد. ومحجوب كشف عنه غطاؤه فبصر ذكائه حديد أدرك ببصيرته ما لم تدركه أولوا الأبصار. وفطن بمصر فسار صيته في الأمصار. جمع فنون العلم جمعاً أصبح به علماً فرداً. وسرد متونه وشروحه عن ظهر قلب سرداً. إلى أدب بهر بتبيانه. وأظهر حكمة شعره وسحر بيانه. فهو عالم في شخص عالم. وعلم شيدت به دوارس المعالم. واعتنى بالطب فصار به طباً عديماً. وفاق أربابه حديثاً وقديماً. حتى كان يقول لو رآني ابن سينا لوقف ببابي. أو ابن دانيال لاكتحل بتراب أعتابي. وله فيه مؤلفات حرر مطولاتها بباع غير ذي قصر. وهذب موجزاتها ففاقت كل مبسوط ومختصر. منها تذكرة الاخوان. في طب الابدان. وشرح نظم القانون. المتكفل بحل هذه الفنون. ومختصر القانون وبغية المحتاج وقواعد المشكلات. ولطائف المنهاج. واستقصاء العلل. وشافي الأمراض والعلل. والنزهة المبهجة. في تشحيذ الأذهان وتعديل الأمزجة. وفي غير الطب شرح قصيدة ابن سينا وفي الأدب تزيين الأسواق. بتفصيل أشواق العشاق. إلى غير ذلك وكان قد هاجر في ابتداء حاله إلى مصر فباهى ببحر علمه نيلها. وأنال أهلها فواضل فضل ما كان سواه لينيلها. حتى دب داء الحسد في علمائهم. وثقلت وطأته على هام عظمائمهم. فرموه بالالحاد. وفساد الاعتقاد. وزعموا أنه يرى رأي القدماء من الفلاسفة والحكماء ويعتقد أن العالم قديم وأن الأرض والسماء لا يطوي لها أديم وما ثبت قديم امتنع عدمه وأن الخلق لا يعاد له أول. وقوله تعالى كما بدانا أول خلق نعيده ونحوه متأول إلى غير ذلك من مقالاتهم وشبهات ضلالاتهم فلما كثر منهم فيه اللغط وعاد ثمر منه قتاداً يخترط ركب متن عزمه على الفرار من ذلك الكمين فخرج منها خائفاً يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين.
وتوجه تلقاء البيت الذي من دخله كان آمناً وكان صنع الله تعالى بنجابة ضامنا فألقى عصاه بالبلد الأمين وحل من أهله محل الفريدة من العقد الثمين وخدمه سلطان الحرمين الحسن ابن أبي نمي وآوى من كنفة في ظل ظليل بعد صكة عمي. وألفت من اليوم الأسود والموت الأحمر. إلى النعمة البيضاء والعيش الأخضر واستناف من الحياة عمراً جديداً ومد إلى نيل أمانيه باعاً مديداً حتى تصرمت لياليه وأيامه وفوضت من هذه الديار خيامه فتوفى سنة تسع وألف رحمه الله تعالى وها أنا ملي عليك من ابكار شعره وعونه ومحاسن قريضه وعيونه. ما يروق وتستهدي لمعانه البروق.
فمنه قوله
بروحي أقي من خلتها حين أقبلتعلى أثر حزن تنثر الدمع في الخد
قضيباً من الكافور يمطر لؤلوءاًمن النرجس الوضاح في فرش الورد
وقوله
نظرت إليها والسواك قد ارتوىبريق عليه الطرف مني باكي
تردده من فوق در منظمسناه لأنوار البروق يحاكي
فقلت وقلبي قد تفطر غيرةأيا ليتني قد كنت عود أراك
فقالت أما ترضى السواك أجبتهاوحقك ما لي حاجة بسواك
وقوله
لقد فقت أرباب المحاسن كلهموزدت عليهم بالرشاقة والعقل
فمذ أعجز المغتاب شيء بقولهرماك بأوصاف القطيعة والبخل
فلا تثبتي بالهجر زور مقالهولكن صليني أو عديني بالوصل
ولا تمطلي بالوعد شباً معذباًوإن قيل إن الشيء يعذب بالمطل
وقوله
أقول لها هل تسعفين بزورةمريضاً كواه البين بالهجر والسقم
فقالت إذا ما فارق الروح زرتهلأن محالاً جمع روحين في جسم
وقوله في الجناس
هواك مازج روحي قبل تكوينيوأنت ظلماً بنار الهجر تكويني
صبرت فيك على أشياء أيسرهاذهاب نفسي وقوم عنك تلويني
وكلما قلت صحت لي محبتهاأرى ودادك مزوجاً بتلويني
قد حل عقد اصطباري طول هجرك ليوليس غير وصال منك يبريني
إذا شممت شذا رياك منتشقاًفما نسيم أتى من نحو يبرين
وقوله
أفدي فتاة فتنت مهجتيوقد أذيب القلب من صدها
مالي وللدنيا إذا لم تزروليس يحلو العيش من بعدها
يقول لي الأسى وقد راعهما بفؤادي من جوى بعدها
خذ ماء ورد ولسان معاًواشربه بالماء ذي من شهدها
قد صدق الأسى فهذا الدواهو الشفا لو كان من عندها
بان يكون الشهد من ثغرهايجني وماء الورد من خدها
وقوله موجهاً بأشكال الرمل
سألتها عن بياض. في وجنتيها وحمره.إذا طريق اجتماع. قالت وراية قصره
وأحسن منه قولي
وذو هيف ما زال بالرمل مولعاًإذا ما سالت الوصل منه تبلدا
ووشى نقي الخد منه بحمرةفقلت طريق للوصال تولدا
قال المؤلف عفى الله عنه هذا ما تيسر ذكره واثباته من محاسن أهل مصر والقاهرة. واقتطافه من رياض آدابهم الزاهرة. مع علمي بأنه قطرة من ماء. ونجمة من سماء وقل من جد وغيض من فيض وكيف وفي مصر وأهلها يقول القائل
قل للذي سار بلاد الورىوأظهر القوة والباسا
من لا أرى مصر ولا أهلهافما رأى الدنيا ولا الناسا
ولكن بعد ديارنا من ديارهم أوجب عدم الوقوف على آثارهم والاطلاع على محاسن أحبارهم. وأين الديار المصرية. من الديار الهندية. وفيها يقول ابن القريه. أرض الهند شاسعة نائية. بلد كفرة طاغية. على أني لم آل جهداً. ولم أهمل شيئاً من ذلك هداً
إذا بذل الانسان غاية جهدهفليس عليه بعد ذاك ملام
والله سبحانه أعلم. القسم الثالث في محاسن أهل اليمن. المقلدين بدر أشعارهم جيد الزمن
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع