من «مطلع الأنوار ونزهة البصائر والأبصار» لابن خميس (ت ٦٤٠هـ)
عبد الله بن علي ابن أبي العباس
يكنى أبا محمد. كان ﵀ من جلة الأدباء وعلية الفصحاء الخطباء, معدوداً في الرؤساء من أهل مالقة الحسباء. مرتبته في المعارف مشهورة, وآدابه مدونة في مسطورة. وكان جليل المقدار, عالي الهمة, رفيع القدر. كتب للسيد أبي يعقوب وعن أبي محمد عبد المومن, وجملة من السادات. وكان معظماً عندهم, مقرباً لديهم يباهون به في مجالسهم, ويشاورونه في أمورهم. وصفه أخوه أبو العباس في كتابه فقال: فقيه ماهر, وأديب خطيب شاعر, نادرة عصره, وجمال
مصره. استشرفت إلى خطبة الرائفة, وآدابه الفائقة متون المنابر, ونطقت ببراعة وجزالة خطباته ألسنة الأقلام وأفواه المحابر. وكان منذ نشأ بعين الجلالة منظوراً, وفي ديوان أشغال السادة مذكوراً. تفرد بتقييد العلم وتفرغ له, وحمله عن الرجال الجلة الكملة, وطار ذكره في الآفاق ورأى في دنياه (ما) أمله. وكان مع هذه المفاخر شاعراً مطبوعاً.
ومن شعره ﵀ يمدح أمير المؤمنين عبد المومن بن علي:
طاوع فطوع يمينك المقدورواسلم فأنت الناصر المنصور
واضرب بسيفك حيث شئت من العدىإن القضاء حسابك المسطور
وردت لكم بشرى النبي فصرحتأعجاز تصديق به وصدور
ومنها:
وأعدتم الدين الحنيف لبدءهفكأن خيركم له تصدير
سائل عن الأعراب معرفة الظبايخبرك منها شاهد وخبير
ومنها:
جلبوا الجياد الجرد كي تحميهمفغدت بهم للحين وهي قبور
أهديتم سمر الرماح رسالةوأتاهم بالمرهفات نذير
فكأن هامهم غمود للظباعند اللقاء وللسهام ضبير
ومنها:
كانوا بجنة طاعةٍ فغدت لهممن محرز التضييع وهي سعير
عاطاهم حبل الغرور فأصبحواصرعى وسلك نظامهم منثور
وغدا وخطار القناة لهامهجسم وناشرة السنان سرير
فمقامه يذكي تباريح العدىوعنانه لمسيئهم تحذير
وكأنه فوق العوالي خاطبيومي لمصرعه بها ويشير
ومنها:
وكأنه مسعوداً على ضد اسمهوضباره في قده مجبور
من لا تدانيه النجوم جلالةمن لا يحيط بوصفه التعبير
من لا توازيه الجبال سكينةأضحى شبام دونها وثبير
ملك عليه مسحة لمليكهيرتد عنها الطرف وهو حسير
وإذا أدار بكفه سمر القناهشت إليه من العداة نحور
هو حجة الله التي ببيانهانطق الكتاب وأنبأ التفسير
فاهنأ أمير المؤمنين فإنماأيدي القضاء بما تشاء تدور
وكتب ﵀ إلى أبي جعفر بن ملحان مشرف مالقة على لسان أبي الحجاج بن مطرف, يذكر أب بينه ذماماً, وكان قد ضيق عليه في ماله, فاستعطفه له عندما سأله أبو الحجاج ذلك, فكتب له على الفور, وهو هذا:
لو كنت أعلم فوق الشكر منزلةأعلى من الشكر عند الله في الثمن
إذن منحتكها مني مهذبةحذواً على حذو ما أوليت من منن
أنا أدام الله أمركم, وأضفى على كافتنا ستركم, أعتد بكم اعتداد الرمح بالنصل, وأعتمد بشرف خلالكم اعتماد الفرع بالأصل. فإن درت من روضي كمامة, جادتها من سمائكم غمامة, فسحبت عليها معاطف الذيول, ونبهت جفنها من سنة الذبون, أو عاص أخلاب البوارق, وأخياف الطوارق, ولوى بزخره الناهل؛ أشرقت لي أنوار هداتكم, وأقمار علاكم, (فأضاءت لي) أعلام المجاهل. ولما نفح نسيم اعتلاكم, وسنح لبرق إجمالكم من إسفار الآمال, وإيثار الاقتبال, ومطاوعة التهمهم والاهتبال, (واحتاج إليكم في) الطب, (لتكونوا) ملاذا وثقة
يغير بكم على عقد الكرب؛ قصد محلكم الكريم عمر الله بالمسرات أكنافه, وعم بالمبرات والبركات أسماعه وأخلافه, يجيل في منزلكم فاتر قداحة, ويعيد عند علاكم واري اقتداحه, ويخيم بالاستخبار مبادئ افتتاحه. وماذا أقول ونور جلالكم عرض فحمت, وبرق إجمالكم أو مض فشمت, واستثار حالي فيما يقرب آمالي, بحسب ما تحققنه من طولكم, وعلمته والذي يستمسك معظمكم بأسبابه, ويستمنح الوفر من بابه, ضويعة بذكوان رشا رزقها بعيد, ووعدها وعيد, وعمرتها من جهلة البادية الذين يعيثون في الأموال عيث السباع, ويعادون ضيفها بمباينة الطباع. ومتى لم يكن لنا عليهم في الكرامة شفوف, ومن بر الولاة رأي معروف, تحامونا كما يتحامى الأجرب, ونبذونا نبذ النواة فلا تدانى ولا تقرب. ومن جملتها هذان الحجران اللذان ضربت عليهما العطلة رواقاً, وعقدت بينهما وبين الكساد حلفاً واتفاقاً, فلا يرجوان إنفاقاً, ولا يعدمان خيبة وإخفاقاً. وكأنما بث الدهر عليهما رقيباً, وابتغى قابض الخراج على نازلتهما تعقيباً. فإن سلك بينهما وجار, وألم بساحتيهما جار, نظر المكاس بفرط الإضاعة, ومزجي البضاعة, إلى طالع تلك الساعة وقال لي السمع والطاعة, الآن طرق الاستعمال, وانثالت الأموال, وفي يدي وضعت الجبايات والأعوال. ومنها في قول المكاس بفرط الإضاعة, ومزجي البضاعة, إلى طالع تلك الساعة, وقال لي السمع والطاعة, الآن طرق الاستعمال, وانثالت الأموال, وفي يدي وضعت الجبايات والأعوال. ومنها في قول المكاس: ما أحال جيش الفقر ما وقد, وانقطع الورد الذي يغشى أمله ورقد, عاد آفل عمره إلى الطلوع, واشتمل بثوب الاستكانة والخضوع, وأنشد: "فضح التطبع شيمة المطبوع". ومع وضعي هذه الأمور في غاية العرفان, وتغييضي منهم على قذى الأجفان, أحمل جوارهم على حيف, وأمنح من مواصلة إفادتهم بمسرى طيف, وأعدهم لطارقٍ وضيف. وهذه
الرحى التي رفعت إلى طولكم منارها, وشببت على علم نارهم, هي لرجل من إخواني, وخواص زماني. وقد جعل الله (على) أياديكم زمام صلاحها, ومطالع صباحها. فإن عاقتها موانع الأقدار, وتعذر -وحاشاكم- أمركم بتوقيف فلكها المدار, غرب من أفق الأمل ما طلع, وانحط عند أهل الجهة ما أعلاه إجمالكم من قدر الجلة ورفع, وإن قصرت على أخي مثواها, ونالت النفوس من لمحات علائكم ونفحات اعتلائكم هواها, وانفسح فيما منح بطولكم المجال, وأروت من بركم السجال, منحتم الفضل جسيماً, وزدتم أنفسكم الحسنى تتميماً, وواصلتم صباحاً منها على العهد الأحسن مقيماً, إن شاء الله, والسلام. ومن شعره ﵀ يرثي ابنه لأبي الحكم بن حسون:
سلم (أخي) لوقيعة الأرزاءوالبس لمرزئها جميل عزاء
واركض جيادك فالمجرة مسلكومعاشر لك أنجم الجوزاء
وارفع لواءك فالثريا جنةومن السماك أحبه للقاء
ولك الإمارة يستدل بسعدهاولك المنى في مطالع السعداء
ولك المعالي تستدري حوافلاًما حالفت لمواهب النعماء
ولك العوالي الخاضبات عواملاًفي صدر كل عجاجةٍ تيهاء
ولك السيوف المشرفية دأبهافي الحرب ضرب جماجم الأعداء
وأرى عياناً في العزاء تأسياًبأئمةٍ للهدي والخلفاء
متهادياً ما بين طرفٍ خاشعمن رحمةٍ تبدي وبين دعاء
فهمت تسعر وجنة, مطرودةعن عبرة وكآبة حمراء
تهمي فتغرق صفحة في لمحةوجداً, وتغرق مقلة في الماء
يهفو إذا اهتزت أراكة أيكةٍخفاقة حنيف على ورقاء
فيطل يسجع نادياً فتخاً, لهنوح الحمام ورنة المكاء
واها لدوح معالم هصر الردىمنه المعاطف فانثنى لسماء
ولوى بزهرة عزةٍ قد حليتلباتها بقلائد الأسداء
أودت فأسلمها إلى دار البلىمن كان يسندها إلى الأحشاء
لم تغن عنها الخافقات ولا الظباوفخار كل طمرة جرداء
يا فادح الغلب الذي فل الحياورمى حصاة القلب بالأرداء
أنى طرقت مها الملوك ولم تتروسلبت در الكأس لليسراء
وطلعت في إبان أروع ماجدٍيجلو الخطوب بغرة غراء
فترى جموع) المعتفين ببابهيسعون بين غمامةٍ وطفاء
متقسم ما بين روضٍ ناعمٍيندى وبين غمامةٍ وطفاء
أرجت بذكراه النوادي فانتشتأنفاسها عن روضةٍ غناء
طلق الجبين إذا تجهم حادثسفرت مطالعه عن السراء
وعلاه, لولا بارق من أفقهشمنا سناه بمظلم الأرزاء
ما لاح وجه الصبر أسوة منقدٍفيها ولا عزى بحسن عزاء
فسقى ثراها من سلالة ماجدٍوذق يجود بديمةٍ وطفاء
وغمامةٍ مسح الصبا أعطافهاتستضحك الأنواء للأنواء
ولما وردت هذه القصيدة على ابن حسون وقعت منه موقعاً عظيماً, فوقع للفقيه أبي محمد المذكور: وصل لله (درك) رثاؤك الأثير الخطير الذي يروق سناه, ويرق لفظه ومعناه. ولسنا نشك في صفاء ودك, وإبراز ندك, إذ نحن على مثل ذلك مودة وحباً, وأكثر
منه دفعاً عن الكريم ودباً. والله يمتع بمكانك, ويبقيك واسطة في جيد زمانك, بمنه وفضله, والسلام مني ورحمة الله وبركاته.
وشعره ﵀, وكتبه ومكانه من العلم بحيث لا يخفى, فلا معنى للإطالة فيه.
ذكر أخوه أصبغ وفاته فقال: وتوفي أبو محمد رحمة الله عليه وغفرانه, وروحه وريحانه, وهلال سماء الفتوة وقاد, وصباح اقتباله صقيل الصفحات والأبراد, في ليلة الثالث من رجب الفرد (عام) اثنين وستين وخمسمائة.
ومنهم: عبد الله بن الرية المالقي يكنى أبا محمد. وصفه أبو العباس بن أصبغ فقال: شاعر مجيد, وعقد يزهى به الجيد. حل من زهر العلوم محل السنان من العامل, والزبرقان من المغازل, وتمت به غرر المحامد, (فقام) مقام الصلة بالعائد. قال الفقيه أبو العباس بن أصبغ: مرت جارية يوماً على فتى من فتيان مالقة ونبهائها, فسألها متى يكون اللقاء, فوعدته بأن تصل عنده في المغرب, فوصلت إلي في الموعد, فصادفت أباه قد وصل من سفر, فحار الفتى وخجل منها. ثم إنه تخلف الجارية في غرفةٍ على باب الدار. قال أصبغ: ما بها أنيس إلا البق والفأر. فجلست الجارية فيها وهي قد دهشت واستطير عقلها, وبقي الفتى مفكرا باكياً من سببها, لا يقدر على الانصراف عن والده. ثم احتال إلى أن وصل إليها. فلما كان في الصباح خرجت الجارية تبكي, وقلبها يضطرب مما دهاها. فاعتذر إليها الفتى, فلم تجبه. فاتصل خبرها بالفقيه أبي
محمد بن الرية فوصف الأمر على ما وقع, وكان الفتى يعرف بأبي الدرداء. (فقال):
مر أبو الدرداء يوماً علىجاريةٍ ماجنةٍ شاطره
فراعه منظرها إذا بدتكالشمس في طلعتها الزاهره
قال لها سيدتي أنفذتمقاتلي ألحاظك الساحره
عساك يا سيدتي أن ترىمن ها هنا وقت (المسا) سائره
تلقى فتى أي فتى في الورىمهذباً, أردانه عاطره
وعنده راح ونقل ومايحتاج من أسبابه ياسره
فغرها أن أبصرت طلعةباهية زاهية فاتره
جاء بها الفتى إلى غرفةٍمظلمةٍ, أرسمها داثره
حصيرها من عهد عادٍ, وقدتداولته الأمم الغابره
ليس سوى البق بها مؤنسحنت لمن يدخلها فاغره
فباتت المرأة في محنةٍعريانة الجسم بلا ساتره
جيعانة للفعل مشتاقة,ناعية باكية ساهره
تراقب الليل متى ينجليوليلها في الطول كالآخره
حتى إذا الصبح بدا سافراًقامت إلى منزلها ذاعره
قال لها: هل لك من عودةٍأو هل ترين ها هنا خاطره
فأنشدته وهي مما بهامن حزنها في بردها عاثره:
"إن عادت العقرب عدنا لهاوكانت النعل لها حاضره"
ومن شعره ﵀:
درى شجر, للطير فيها تشاجركأن سقيط الطل منها جواهر
كأن القراري, والبلابل حولهاقيان وأوراق الغصون ستائر
شربنا على هذا الترنم قهوةكأن على حافاتها الدر دائر
ومن شعره:
بني هاشم حيوا بأخلاق هاشمولا تفضحونا في العلى والمكارم
أرى ألف بانٍ لا يقوم بهادمٍفكيف ببانٍ, خلفه ألف هادم
ومن شعره:
تقصد أهل الفضل بين الورىمصائب الدنيا وآفاتها
كالطير لا يسجن من بينهاإلا التي تحسن أصواتها
ومن شعره يصف أترجاً:
يا حبذا يومنا ونحن علىرؤوسنا نعقد الأكاليلا
في جنةٍ دالت في مقاطفهاثمارها الدانيات تذليلا
كأن أترجها تميد بهأغصانه بحسن منه محمولا
سلاسل من زبرجدٍ حملتمن ذهبٍ أصفر ٍ قناديلا
وله يصفها:
يشي (بما) للصبوح أترجحوى من الطيب ما حوى الدرج
أنبته في قضيبه شجرمشوك في النبات معوج
إن ترج يوماً قطافه منعترماحه أن تنال ما ترجو
كل مصدغ تحته ذهبوكل غصن من فوقه زج
جرده واقرن به مشعشعةيلف مضاهيك النار والثلج
ومن شعره يهجو:
لو عمي اللؤم وأطلقتهلما عدا دور بني مسلمه
أو طعنوا بالرمح من يومهملما جرى من دمهم محجمه
وله أيضاً يهجو:
حلت برية (من) ذي العرش داهيةما مثلها عبرة في سالف الزمن
قاضٍ يحد الصهبا ويشربهايا ليت دولته في الناس لم تكن
وله ﵀:
لعمرك ما الإنسان إلا بدينهفلا تترك التقوى اتكالاً على الحسب
فقد رفع الإسلام سلمان فارسٍوقد وضع الكفر الشريف أبا لهب
وشعره ﵀ كثير.
ومنهم:
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع