من «مطلع الأنوار ونزهة البصائر والأبصار» لابن خميس (ت ٦٤٠هـ)
عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن الحسن بن أبي الحسن الخثعمي ثم السهيلي
هو الإمام العالم. (كان) ﵀ من جلة العلماء وعليتهم عارفاً متفنناً ضابطاً حافظاً للغات والآداب. وله تواليف ككتاب الأعلام بما وقع القرآن من الأسماء الأعلام, وكتاب الروض الأنف, وكتاب نتائج الفكر, وغير ذلك. وصفه الفقيه أبو العباس أصبغ في كتابه. فقال فيه: هضبة علوم سنية, وكان في الشعر واضحة جلية, من رجل تلقت القريض يمينه, وانتظم له من جوهره ثمينه. عفا على ابن الدمينة في التشبيب, واستوفى في أغراض مدحه جميع ما أبتدع فيه حبيب. إن مد فيه الرشا, فما شئت من إبداع وإنشا, وإن قصد أو عجز, بذ من سبق قلبه وأعجز. ولا تبارى في ميدانه خيله, ولا يساجل وشله ولا سيلة. قلد أجياد الدولة المهدية والخلافة القيسية منه قلائد, فضحت الحلي عن أتراب الخرائد, ونمنم فوشى برودها, وروض منها تهائمها ونجودها. وكان في شعرائها من سوابق ميدانها. وممن أحرز قصب رهانها, حسن توليدٍ واختراع, وتنكيتٍ وتجويدٍ وإبداع. ثم امتد به أجله, وأنسأه في شأو الحياة مهله, حتى تطلع في سماء مجلس أمير المؤمنين بدراً, وتبوأ منه بعلمه البارع محلة ووكراً, فخلع على أهله من منمنم أمداحه خلعاً, وابتدع من مليح قريضه بدعاً, أصارت إليه منهم قلوباً, وأنالت من أكفهم مأمولاً ومطلوباً. فمن قوله الذي لا حسن إلا وهو مخلوع عليه, ولا عنان يريع إلا
وملاكه بين يديه, قوله في السيد الأعلى أبي سعيد ابن أمير المؤمنين:
الدين يشرق والأيام تبتسموالدهر معتذر, والخطب محتشم
ودولة الحق والتوحيد قد وضحتلها بشائر زاحت عندها الغمم
ومنها في المدح:
السعد يقدمها والنصر يخدمهاما حاز مقدمه إلا همت نعم
ومنها:
ولا تيم أرضاً حشمت وغرتإلا همى فوقها من سيفه نقم
سيف نضاه أمير المؤمنين, متىيرم العدى بحسام مثله هضموا
وكوكب في سماء المجد أطلعهتنجاب عن أفقها من نوره الظلم
وهو الغمام الذي يغشى البلاد ولمترحل إليه فتهمي نزلها الديم
ومنها:
يدنيه من كل ذي أرضٍ تواضعهوفوق هامه كيوان له قدم
لو كان منقسماً رأفةٍ ملكبين الرعية أضحى وهو منقسم
ومنهم:
هذا ابنه, وهو بعض منه خص بههذي الجزيرة كي تحمى به الحرم
ما إن رأوا قبله من كعبةٍ قصدتحجاجها, ولهم من ظلها حرم
كأن سيب نداه ملء زمزمهاوكفه الركن إذ يغشى ويستلم
لو كان ينفع ذا ود مساهمهظلت عليه بقاع الأرض تستهم
وهي طويلة. ومن شعره في المدح:
العود أحمد من بدءٍ حلا فعدإلى المدائح في قرب وفي بعد
عد لامتداح أميرٍ ما يكافئهفي الفضل بعد أبيه الخير من أحد
أبي سعيد حليف السعد لم ترهإلا رأيت لديه السعد في صعد
والدهر حين رأى أنوار دولتهأغضى وأدبر يشكو عامد الرمد
سيف نضته يد الميمون طائرهسهامه الشوك زجر اليث للنفد
تضعضعت عصب الإشراك نافرة"ولا قرار على زأرٍ من الأسد"
وهي طويلة. وله ﵀ وقد قال لشخص في الصباح, كيف أمسيت:
لئن قلت صبحاً: كيف أمسيت مخطئاًفما أنا في ذاك الخطا بملوم
طلعت وأفقي مظلم لفراقكمفخلتك بدراً والمساء همومي
ومن شعره:
خلف السلام على الذين أحبهموسقى منازلهم بكل سكوب
أبت الفراق قلوبنا وقلوبهميا ليت أبدانا لنا كقلوب
ومن شعره:
أسائل عن جيرانه من لقيتهوأعرض عن ذكراه, والحال تنطق
وما بي إلى جيرانه من صبابةٍولكن قلبي عن صبوحٍ يرقرق
ومن شعره:
وذي نفسيٍ أنم من الخزامىوثغرٍ مثل ما عبقت مدام
شكوت له الهوى وبكيت شوقاًفأعقب عبرتي منه ابتسام
فقلت: أضاحك مني وهذيدموعي عن لظى كبدي سجام
فقال: الروض تضحك كل حينٍأزاهره, وإن دمع الغمام
وله وقد أهدي له مسك:
أهدى له شهباً بأنفاسهمن عذب القلب بوسواسه
يا مرسل المسك لنا نفحةوكل مسك دون أنفاسه
كل نعيم دون ذاك اللمىوكل بوسٍ دون إيناسه
ومن شعره:
أشبهن من بقر الفلاة صواراًلخطى, وحسن مقلدٍ, ونفارا
فلحقن بالعجماء حسن تشبهٍكيما تكون جراحهن جهارا
ومن شعره:
أبدى الهوى وتجافى عن زيارتناوظل يكثر من عذرٍ ومن علل
لا تدعي حب من أتلفت مهجتهبالصد منك وبالإعراض والبخل
تقول: لا حيلة في الوصل أعرفهالو صح منك الهوى أرشدت للحيل
ومن شعره:
أرى البر لا ينفعك براً بأهلهوذا البحر لا يألو عقوقاً لراكب
وما ذاك إلا أن هذا مناقضوهذا يراعي وصله في المناسب
ومن شعره:
إذا قلت يوماً سلام عليكففيها شفاء وفيها سقام
حياة إذا قلتها مقبلاًوإن قلتها معرضاً فالحمام
فأعجب من ضد حاليهماوهذا سلام وهذا سلام
وله في مجبنة:
شغف الفؤاد نواعم أبكاربردت فؤاد الصب وهي حرار
وله في محمل كتب:
حامل للعلوم غير فقيهٍليس يرجو ضرا ولا يتقيه
يحمل العلم فاتحاً قدميهفإذا انضمتا فلا علم فيه
وله في قول"لا":
قد أجمع الناس على بغض"لا"ولست أنسى أبداً حب "لا"
لأنني قلت له: سيديتحب غيري أبداً, قال: "لا"
ومن شعره:
لما أجاب"بلا" طعمت في وصلهإذ حرف"لا" حرفان معتنقان
وكذا"نعم" بنعيم وصلٍ آذنتفنعم, ولا في الحب متفقان
ومن شعره:
قاسوا الحبيب إلى الحبيب الأولبحنين مغترب لأول منزل
هيهات ما حب التليد كطارفٍأين القديم من الجديد المقبل
نور الأقاح الغض أحسن منظراًوأرق عزفاً من أقاح ذبل
وليانع الثمرات حظ في المنىليست ليابسهن عند المأكل
فدع القياس على مثالٍ في الهوىوانظر إلى عطف الرؤوم المطفل
إن قلت يعدل عندها حب الطلاحب المربب قلبه لم تعدل
ولعلمهم أن الجديد محببقالوا: اغترب كيما تجد أو ارحل
ومن شعره فيمن ركب البحر:
ركبوا السفين فقلت بعدهموالعين تذرف دمعها سكبا
لو أنني كنت امرءاً ملكاًلأخذت كل سفينةٍ غصباً
وشعره ﵀ كثير, وأدبه وعلمه مشهور. وكان عالي الرواية. روى عن أبي بكر بن العربي, وابن بونة, وحفيد مكي, وشريح, وغيرهم. كان حافظاً لأنساب العرب, وسير النبي ﷺ. وكان مولده عام سبعة أو ثمانية وخمسمائة. وكف بصره (وهو) من نحو سبعة عشر عاماً. وتوفي بمراكش في ليلة الخميس الخامس والعشرين من شعبان عام أحد وثمانين وخمسمائة.
ومنهم:
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع