من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
أحمد بن عبيد الله بن محمد بن عمار أبو العباس الثقفي
الكاتب المعروف بحمار العزيز: كذا قال الخطيب قال: وله مصنفات في مقاتل الطالبيين وغير ذلك، وكان يتشيع، ومات في سنة أربع عشرة وثلاثمائة، حدث عن عثمان بن أبي شيبة وسليمان بن أبي شيخ وعمر بن شبة ومحمد بن داود بن الجراح وغيرهم. روى عنه القاضي الجعابي وابن زنجي الكاتب وأبو عمرو ابن حيويه وأبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني وغيرهم. وفيه يقول ابن الرومي:
وفي ابن عمّار عزيريّةيخاصم الله بها والقدر
ما كان لم كان وما لم يكنلم لم يكن فهو وكيل البشر
هذا ما ذكره الخطيب.
ووجدت في كتاب ألفه أبو الحسن علي بن عبيد الله بن المسيب الكاتب في «أخبار ابن الرومي» - وكان ابن المسيّب هذا صديقا لابن الرومي وخليطا له- قال:
كان أحمد بن محمد بن عبيد الله بن عمار (هكذا قال في نسبه بتقديم محمد على عبيد الله) صديقا لابن الرومي كثير الملازمة له، وكان ابن الرومي يعمل له الأشعار وينحله إياها يستعطف بها من يصحبه، وكان ابن عمار محدودا فقيرا وقّاعة في الأحرار، وكان أيام افتقاره كثير التسخّط لما تجري به الأقدار، في آناء الليل والنهار، حتى عرف بذلك، فقال له علي بن العباس بن الرومي يوما: يا أبا العباس قد سمّيتك العزير، قال له: وكيف وقعت لي على هذا الاسم؟ قال: لأن العزير خاصم ربه بأن أسال من دماء بني إسرائيل على يدي بخت نصر سبعين ألف دم، فأوحى الله [إليه] لئن لم تترك مجادلتي في قضائي لأمحونّك من ديوان النبوة. وقال فيه:
وفي ابن عمار عزيرية
وذكر البيتين اللذين في كتاب الخطيب، وزاد:
لا بل فتى خاصم في نفسهلم لم يفز قدما وفاز البقر
وكلّ من كان له ناظرصاف فلا بدّ له من نظر
وكتب ابن الرومي إلى أحمد بن محمد بن بشر المرثدي قصيدة يمدحه بها ويهنئه بمولود ولد له، ويحضه على برّ ابن عمار والاقبال عليه، يقول فيها:
ولي لديكم صاحب فاضلأحبّ أن يبقى وأن يصحبا
مبارك الطائر ميمونهخبّرني عن ذاك من جرّبا
بل عندكم من يمنه شاهدقد أفصح القول وقد أعربا
جاء فجاءت معه غرّةتقيّل الناس بها كوكبا
إن أبا العباس مستصحبيرضي أبا العباس مستصحبا
لكنّ في الشيخ عزيريةقد تركته شرسا مشغبا
فاشدد أبا العباس كفّا بهفقد ثقفت المخطب المحربا
باقعة إن أنت خاطبتهأعرب أو فاكهته أغربا
أدّبه الدهر بتصريفهفأحسن التأديب إذ أدبا
وقد غدا ينشر نعماءكمفي كلّ ناد موجزا مطنبا
والقصيدة طويلة.
قال: وصار محمد بن داود بن الجراح يوما إلى ابن الرومي مسلّما عليه، فصادف عنده أبا العباس أحمد بن محمد بن عمار، وكان من الضيق والإملاق في النهاية، وكان علي بن العباس مغموما به، فقال محمد بن داود لابن الرومي ولأبي عثمان الناجم: لو صرتما إليّ وكثرتما بما عندي لأنس بعضنا ببعض، فأقبل ابن الرومي على محمد بن داود فقال: أنا في بقية علة، وأبو عثمان مشغول بخدمة صاحبه
- يعني إسماعيل بن بلبل- وهذا أبو العباس ابن عمار له موضع من الرواية والأدب، وهو على غاية الإمتاع والإيناس بمشاهدته، وأنا أحبّ أن تعرف مثله، وفي العاجل خذه معك لتقف على صدق القول فيه. فأقبل محمد بن داود على أحمد بن عمار وقال له: تفضل بالمصير إليّ في هذا اليوم، وقبله قبولا ضعيفا، فصار إليه ابن عمار في ذلك اليوم، ورجع إلى ابن الرومي فقال له: إني أقمت عند الرجل وبتّ، وأريد أن تقصده وتشكره وتؤكّد أمري معه، ومحمد بن داود في هذا الوقت متعطّل ملازم منزله، فصار إليه وأكّد له الأمر معه، وطال اختلافه إليه إلى أن ولي عبيد الله بن سليمان وزارة المعتضد واستكتب محمد بن داود بن الجراح وأشخصه معه، وقد خرج إلى الجبل، ورجع وقد زوّجه بعض بناته وولّاه ديوان المشرق، فاستخرج لابن عمار أقساطا أغناه بها وأجرى عليه أيضا من ماله، ولم يزل يختلف إليه أيام حياة محمد بن داود، وكان السبب في أن نعشه الله بعد العثار، وانتاشه من الإقتار ابن الرومي، فما شكر ذلك له، وجعل يتخلّفه ويقع فيه ويعيبه، وبلغ ابن الروميّ ذلك فهجاه باهاج كثيرة، منها وهو مصحّف:
قل لعمّار بن عمّارألا تعظم قدري
بخراجيك وخرؤ الديك لا تعرض لشعري
وتذكّر حين تنسىحرّ عمّيك وأثري
وأذقني فرح الرّوحة منقادا لأمري
حر حالاتك للجييرانلكن لست تدري
قال ابن المسيّب: ومن عجيب أمر عزير هذا أنه كان يتنقص ابن الرّومي في حياته، ويزري على شعره، ويتعرّض لهجائه، فلمّا مات ابن الروميّ عمل كتابا في تفضيله ومختار شعره وجلس يمليه على النّاس.
وذكره محمد بن إسحاق النديم في كتاب الفهرست فقال: كان يصحب محمد بن داود بن الجراح ويروي عنه، ثمّ توكّل للقاسم بن عبيد الله بن سليمان وولده.
وله من الكتب: كتاب المبيّضة، وهو في مقاتل الطالبيين. كتاب الأنواء.
كتاب مثالب أبي نواس. كتاب أخبار سليمان بن أبي شيخ. كتاب الزّيادة في أخبار الوزراء لابن الجراح. كتاب أخبار حجر بن عديّ. كتاب أخبار أبي نواس. كتاب أخبار ابن الرومي ومختار شعره. كتاب المناقضات. كتاب أخبار أبي العتاهية. كتاب الرّسالة في بني أميّة. كتاب الرسالة في تفضيل بني هاشم ومواليهم وذمّ بني أميّة وأتباعهم. كتاب الرسالة في المحدب والمحدث، كتاب أخبار عبد الله بن معاوية الجعدي، كتاب الرسالة في مثالب معاوية.
وذكره أبو عبد الله المرزباني في «كتاب المعجم» فقال: وذكر أنه مات في سنة عشر وثلاثمائة قال: وهو القائل:
وعيّرتني النّقصان والنّقص شاملومن ذا الّذي يعطى الكمال فيكمل؟
وأقسم أنّي ناقص غير أننيإذا قيس بي قوم كثير تقلّلوا
تفاضل هذا الخلق بالعلم والحجىففي أيّما هذين أنت فتفضل
ولو منح الله الكمال ابن آدملخلّده والله ما شاء يفعل
وذكر ابن زنجيّ أبو القاسم الكاتب قال: كان الوزير أبو الحسن عليّ بن محمد بن الفرات قد أطلق في وزارته الأخيرة للمحدّثين عشرين ألف درهم، فأخذت لأبي العبّاس أحمد بن عبيد الله بن عمّار، لأنّه كان يجيئني ويقيم عندي، وسمعت منه أخبار المبيّضة، ومقتل حجر، وكتاب صفّين، وكتاب الجمل، وأخبار المقدّمي، وأخبار سليمان بن أبي شيخ وغير ذلك، خمسمائة درهم.
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع