من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
أحمد بن عبيد بن ناصح بن بلنجر أبو جعفر النحوي الكوفي
: يعرف بأبي عصيدة، ديلمي الأصل من موالي بني هاشم، حدّث عن الواقديّ والأصمعي وأبي داود الطيالسي وزيد بن هارون وغيرهم، وروى عنه القاسم بن محمد بن بشار الأنباري وأحمد بن حسن بن شهير، ومات فيما ذكره أبو عبد الله محمد بن شعبان بن هارون ابن بنت الفريابي في «تاريخ الوفيات» له في سنة ثلاث وسبعين ومائتين. قالوا:
وكان ضعيفا فيما يرويه.
وله من التصانيف: كتاب المقصور والممدود. وكتاب المذكر والمؤنث.
وكتاب الزيادات في معاني الشعر لابن السكيت في إصلاحه. وكتاب عيون الأخبار والأشعار.
وحدث محمد بن إسحاق النديم قال: كان أبو عصيدة وابن قادم يؤدّبان ولد المتوكل، قال: لما أراد المتوكل أن يتخذ المؤدبين لولده جعل ذلك إلى إيتاخ، فأمر إيتاخ كاتبه أن يتولّى ذلك، فبعث إلى الطوال والأحمر وابن قادم وأبي عصيدة هذا وغيرهم من أدباء ذلك العصر، فأحضرهم مجلسه وحضر أبو عصيدة فقعد في آخر الناس، فقال له من قرب منه: لو ارتفعت، فقال: بل أجلس حيث انتهى بي المجلس، فلما اجتمعوا قال لهم الكاتب: لو تذاكرتم وقفنا على موضعكم من العلم واخترنا، فألقوا بينهم بيت ابن غلفاء الفزاري:
ذريني إنما خطأي وصوبيعليّ وإن ما أنفقت مال
فقالوا: ارتفع مال بانما إذ كانت ما بمعنى الذي، ثم سكتوا، فقال لهم أحمد بن عبيد من آخر الناس: هذا الإعراب فما المعنى؟ فأحجم الناس عن القول، فقيل له: فما المعنى عندك؟ قال: أراد ما لومك إياي وإنما أنفقت مالا ولم أنفق عرضا، فالمال لا ألام على إنفاقه؛ فجاءه خادم من صدر المجلس فأخذ بيده حتى تخطّى به إلى أعلاه وقال له: ليس هذا موضعك، فقال: لأن أكون في مجلس أرتفع منه إلى أعلاه أحبّ إليّ من أن أكون في مجلس أحطّ عنه. فاختير هو وابن قادم.
قرأت بخطّ أبي منصور الأزهري في «كتاب التهذيب في اللغة» له، أخبرني المنذري عن القاسم بن محمد الأنباري عن أحمد بن عبيد بن ناصح قال: كنا نألف مجلس أبي أيوب ابن أخت الوزير، فقال لنا يوما- وكان ابن السكيت حاضرا- ما تقول في الأدم من الظباء؟ فقال: هي البيض البطون السّمر الظهور، يفصل بين لون ظهورها وبطونها جدّتان مسكيّتان، قال: فالتفت إليّ وقال: ما تقول يا أبا جعفر؟
فقلت: الأدم على ضربين، أما التي مساكنها الجبال في بلاد قيس فهي على ما وصف، وأما التي مساكنها الرمل في بلاد تميم فهي البيض الخوالص البياض [فأنكر يعقوب]. واستأذن ابن الأعرابي على أثر ذلك، فقال أبو أيوب: قد جاءكم من يفصل بينكم، فدخل فقال له أبو أيوب: يا أبا عبد الله، ما تقول في الأدم من الظباء، فتكلم كأنما ينطق عن لسان ابن السكّيت، فقلت: يا أبا عبد الله، ما تقول في ذي الرمة؟ قال: شاعر، قلت: ما يقول في قصيدته صيدح؟ قال: هو بها أعرف منّا بها. قال: فأنشدته قوله:
من المؤلفات الرمل أدماء حرّةشعاع الضّحى في متنها يتوضّح
فسكت ابن الأعرابي وقال: هي العرب تقول ما شاءت.
وبخط عبد السلام البصري، حدثنا أبو الحسن محمد بن يوسف بن موسى سبط [ ...] قال حدثنا أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن جعفر الأزدي قال: سمعت أحمد بن
عبيد بن ناصح يقول: لما أراد المتوكل أن يعقد للمعتز ولاية العهد حططته عن مرتبته قليلا وأخّرت غداءه عن وقته، فلما كان وقت الانصراف قلت للخادم: احمله، فضربته من غير ذنب، فكتب بذلك إلى المتوكل، فأنا في الطريق منصرفا إذ لحقني صاحب رسالة، فقال: أمير المؤمنين يدعوك، قال: فدخلت على المتوكل وهو جالس على كرسيّ، والغضب يتبيّن في وجهه، والفتح بن خاقان قائم بين يديه متكئا على السيف، فقال لي: ما هذا الذي فعلته يا أبا عبد الله؟ قلت: أقول يا أمير المؤمنين؟
فقال: قل فاني إنما سألتك لتقول، قلت: بلغني ما عزم عليه أمير المؤمنين- أطال الله بقاءه- فدعوته وحططت منزلته، ليعرف هذا المقدار فلا يعجل بزوال نعمة أحد، وأخّرت غداءه ليعرف هذا المقدار من ألم الجوع فإذا شكي إليه الجوع عرف ذلك، وضربته من غير ذنب ليعرف مقدار الظلم فلا يعجل على أحد، قال فقال لي:
أحسنت، وأمر لي بعشرة آلاف درهم ثم لحقني رسول قبيحة بعشرة آلاف أخرى، فانصرفت بعشرين ألفا.
قال وحدثنا أبو القاسم الأزدي قال: سمعت أحمد بن عبيد بن ناصح يحدث أبي قال، قال لي المعتز يوما: يا مؤدبي تصلّي جالسا وتضربني قائما؟ قال فقلت له:
كيف تراني أؤدي فرضي؟ قائما أو قاعدا؟ قال فقال لي: بل تؤدي الفرض قائما، فقلت له: وضربك أيضا من الفروض ولا أؤدي فرضي إلا قائما.
وقال عبد الله بن عدي الحافظ: أحمد بن عبيد أبو عصيدة النحوي كان بسرّ من رأى يحدّث عن الأصمعيّ ومحمد بن مصعب القرقساني بمناكير. وقال أبو أحمد الحافظ النيسابوري وذكره فقال: لا يتابع على جلّ حديثه. قال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري أنشدني أبي قال: أنشدنا أحمد بن عبيد:
ضعفت عن التسليم يوم فراقهافودّعتها بالطّرف والعين تدمع
وأمسكت عن ردّ السلام فمن رأىمحبا بطرف العين قبلي يودع
رأيت سيوف البين عند فراقهابأيدي جنود الشّوق بالموت تلمع
عليك سلام الله مني مضاعفاإلى أن تغيب الشمس من حيث تطلع
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع