من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
أحمد بن عبد الله بن سليمان أبو العلاء المعري (٢)
(فصلت:) بل أنا من التّثقيل حذر، مشفق من ذلك معتذر. وإنّما سألت أن يستسعد برائه، لقلّة نظرائه. وهو عندي أجلّ، والكتاب أيسر وأقلّ، من أن يكلّف خطوات، ولو كنّ كدبيب القطوات.
وأنا أسأل الشيخ الأديب الفاضل، أن يسعفني بكتاب منه يشتمل على أسطر، كأنّ فيه ريح القطر؛ يضمّن طيب خبر، هو أذكى من العنبر، وأوامر منه ونواه، ما أنا إن امتثلتها بواه، وأستودعه الله وديعة ضنين، عند ثقة أمين.
ومن شعر أبي العلاء في الغزل:
يا ظبية علقتني في تصيّدهاأشراكها وهي لم تعلق بأشراكي
رعيت قلبي وما راعيت حرمتهفلم رعيت ولا راعيت مرعاك
أتحرقين فؤادا قد حللت بهبنار حبّك عمدا وهو واراك
أسكنته حين لم يسكن به سكنوليس يحسن أن تسخي بسكناك
ما بال داعي غرامي حين يأمرنيبأن أكابد حرّ الوجد ينهاك
ولم غدا القلب ذا يأس وذا طمعيرجوك أن ترحميه ثم يخشاك
ومن خطّ ابن العصار، قال أبو العلاء في رجل اسمه أبو القاسم:
هذا أبو القاسم أعجوبةلكلّ من بدري ولا يدري
لا ينظم الشعر ولا يحفظالقرآن وهو الشاعر المقري
قرأت بخطّ أبي سعد قال، سمعت المبارك بن أحمد بن الاخوة مذاكرة:
خرج رجل على سبيل الفرجة فقعد على الجسر فأقبلت امرأة من جانب الرصافة متوجهة إلى الجانب الغربي فاستقبلها شابّ فقال لها: رحم الله علي بن الجهم، فقالت المرأة في الحال: رحم الله أبا العلاء المعري، ولم يقفا ومرّا مشرّقا ومغرّبة، فتتبعت المرأة وقلت لها: أخبريني عافاك الله عما قال لك وعما أجبتيه، فقالت: نعم رحم الله علي بن الجهم، أراد قوله:
عيون المها بين الرصافة والجسرجلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
وأردت بترحمي على أبي العلاء قوله:
فيا دارها بالحزن إن مزارهاقريب ولكن دون ذلك أهوال
قال أبو زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي: أنشدني ابو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري لنفسه:
منك الصدود ومني بالصدود رضىمن ذا علي بهذا في هواك قضى
بي منك ما لو غدا بالشمس ما طلعتمن الكآبة أو بالبرق ما ومضا
جرّبت دهري وأهليه فما تركتلي التجارب في ودّ امرىء غرضا
إذا الفتى ذمّ عيشا في شبيبتهماذا يقول إذا عصر الشباب مضى
وقد تعوضت عن كلّ بمشبههفما وجدت لأيام الصّبا عوضا
وله أيضا:
غدوت مريض العقل والدين فالقنىلتعلم أنباء الأمور الصحائح
الأبيات.
قرأت بخط عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي الشاعر في كتاب له ألفه في الصّرفة زعم فيه أن القرآن لم يخرق العادة بالفصاحة حتى صار معجزة للنبي ﷺ، وأن كلّ فصيح بليغ قادر على الاتيان بمثله، إلا أنهم صرفوا عن ذلك، لا أن يكون القرآن في نفسه معجز الفصاحة، وهو مذهب الجماعة من المتكلمين والرافضة، منهم بشر المرّيسيّ والمرتضى أبو القاسم، قال في تضاعيفه: وقد حمل جماعة من الأدباء قول أصحابنا أنه لا يمكن أحد من المعارضة بعد زمان التحدّي على أن نظموا على أسلوب القرآن، وأظهر ذلك قوم وأخفاه آخرون، ومما ظهر منه قول أبي العلاء في بعض كلامه: أقسم بخالق الخيل، والريح الهابّة بليل، بين الشّرط ومطلع سهيل، إنّ الكافر لطويل الويل، وإنّ العمر لمكفوف الذيل، اتّق مدارج السيل، وطالع التوبة من قبيل، تنج وما إخالك بناج. وقوله: أذلت العائذة أباها، وأضاءت الوهدة رباها، والله بكرمه اجتباها، أولاها الشرف بما حباها، أرسل الشمال وصباها، ولا يخاف عقباها.
وقال:
ما جار شمّاسك في كلمةولا يهوديّك بالطامع
والطيلسان اشتق في لفظهمن طلسة المبتكر الخامع
والقسّ خير لك فيما أرىمن خاطب يخطب في جامع
وله أيضا:
قالوا فلان جيد فأجبتهملا تكذبوا ما في البرية جيّد
فغنيّهم نال الغناء ببخلهوفقيرهم بصلاته يتصيّد
والناس في أبي العلاء مختلفون، فمنهم من يقول إنه كان زنديقا وينسبون إليه أشياء مما ذكرناها، ومنهم من يقول [كان] زاهدا عابدا متقللا يأخذ نفسه بالرياضة والخشونة والقناعة باليسير والإعراض عن أعراض الدنيا. قال كمال الدين أبو القاسم عمر بن أبي جرادة: قرأت بخطّ أبي اليسر شاكر بن عبد الله بن سليمان المعري أن المستنصر صاحب مصر بذل لأبي العلاء ما في بيت المال بالمعرة من الحلال فلم يقبل منه شيئا، وقال:
كأنّما غانة لي من غنىفعدّ عن معدن أسوان
سرت برغمي عن زمان الصّبايعجلني وقتي وأكواني
صدّ أبي الطيب لما غدامنصرفا عن شعب بوّان
وقال أيضا:
لا أطلب الأرزاق والمولى يفيض عليّ رزقيإن أعط بعض القوت أعلم أنّ ذلك ضعف حقّي
قال: وقرأت بخطّ أبي اليسر المعري في ذكره: وكان ﵁ يرمى من أهل الحسد له بالتعطيل، وتعمل تلامذته وغيرهم على لسانه الأشعار يضمنونها أقاويل الملحدة قصدا لهلاكه وإيثارا لاتلاف نفسه، فقال ﵁:
حاول إهواني قوم فماواجهتهم إلا باهوان
يحرّشوني بسعاياتهمفغيّروا نية إخواني
لو استطاعوا لوشوا بي إلى المريخ في الشّهب وكيوان وقال أيضا:
غريت بذمّي أمةوبحمد خالقها غريت
وعبدت ربي ما استطعتومن بريته بريت
وفرتني الجهال حاسدة عليّ وما فريت
سعروا عليّ فلم أحسّ وعندهم أني هريت
فهرست كتبه على ما نقلته من خط أحد مستملي أبي العلاء، فقال: الذي أملاه أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي تجاوز الله عنه من الكتب على ضروب منها ما هو في الزهد؛ وقرأت في نسخة أخرى: فهرست كتبه ما صورته، قال الشيخ أبو العلاء ﵁: لزمت مسكني منذ سنة أربعمائة، واجتهدت على أن أتوفّر على تسبيح الله وتحميده إلّا أن اضطرّ إلى غير ذلك، فأمليت أشياء وتولّى نسخها الشيخ أبو الحسن علي بن عبد الله بن أبي هاشم- أحسن الله معونته- فألزمني بذلك حقوقا جمّة وأيادي بيضا، لأنه أفنى فيّ زمنه ولم يأخذ عما صنع ثمنه، فالله يحسن له الجزاء، ويكفيه حوادث الزمن والأرزاء، وهي على ضروب مختلفة فمنها ما هو في الزهد والعظات وتمجيد الله ﷾ من المنظوم والمنثور، فمن ذلك: الكتاب المعروف بالفصول والغايات، والمراد بالغايات القوافي لأن القافية غاية البيت أي منتهاه، وهو كتاب موضوع على حروف المعجم ما خلا الألف، لأن فواصله مبنيّة
على أن يكون ما قبل الحرف المعتمد فيها ألف، ومن المحال أن يجمع بين ألفين ولكن تجيء الهمزة وقبلها ألف مثل العطاء والكساء، وكذلك الشراب والسراب في الباء، ثم على هذا الترتيب، ولم يعتمد فيه أن تكون الحروف التي يبنى عليها مستوية الإعراب بل تجيء مختلفة، وفي الكتاب قواف تجيء على نسق واحد وليست الملقبة بالغايات، ومجيئها على قريّ واحد مثل أن يقال عمامها وغلامها وغمامها، وأمرا وتمرا، وما أشبهه، وفيه فنون كثيرة من هذا النوع (وقيل إنه بدأ بهذا الكتاب قبل رحلته إلى بغداد وأتمه بعد عوده إلى معرة النعمان، وهو سبعة أجزاء، وفي نسخة: مقداره مائة كراسة). وكتاب السادن أنشأه في ذكر غريب هذا الكتاب وما فيه من اللغز، مقداره عشرون كراسة. وكتاب إقليد الغايات، لطيف مقصور على تفسير اللغز مقداره عشر كراريس.
الكتاب المعروف بالأيك والغصون، وهو كتاب الهمزة والردف [ومن] خطه:
يبنى على إحدى عشرة حالة: الهمزة في حال إفرادها وإضافتها، ومثال ذلك السماء بالرفع، السماء بالنصب، السماء بالخفض، سماء يتبع الهمزة التنوين، سماؤه مرفوع مضاف، سماءه منصوب مضاف، سمائه مخفوض مضاف، ثم يجيء سماؤها وسماءها وسمائها على التأنيث، ثم همزة بعدها هاء ساكنة مثل عباءه وملاءه، فإذا ضربت في حروف المعجم الثمانية والعشرين خرج من ذلك ثلاثمائة فصل وثمانية فصول وهي مستوفاة في كتاب الهمزة والردف. وذكرت فيه الأرداف الأربعة بعد ذكر الألف: وهي الواو المضموم ما قبلها، والواو التي قبلها فتحة [والياء المكسور ما قبلها، والياء التي قبلها فتحة] ويذكر لكل جنس من هذه أحد عشر وجها كما ذكر للألف.
ومن غير خطّه: وهو في العظات وذمّ الدنيا، وهو اثنان وتسعون جزءا نسخة أخرى. ويكون مقدار هذا الكتاب ألف ومائتا كراسة.
ومن خطه: والكتاب المعروف بتضمين الآي، وهو كتاب مختلف الفصول؛ فمنه طائفة على حروف المعجم، وقبل الحرف المعتمد ألف، مثل أن يقال في الهمزة بناء ونساء، وفي الباء ثياب وعباب ثم على هذا إلى آخر الحروف. ومنه فصول كثيرة على فاعلين مثل باسطين وقاسطين، وعلى فاعلون مثل حامدون وعابدون، وفيه ما هو
على غير هذا الفن، والغرض أن يأتي بعد انقضاء الكلام آية من الكتاب العزيز مثل قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
وربما اقتصر على بعض الآية أو جيء بآيتين وأكثر منهما إذا كانت الآيات من ذوات القصر كآيات عبس ونحوها، ومقدار هذا الكتاب أربعمائة كراسة. وكان السبب في تأليف هذا الكتاب أن بعض الأمراء سأله أن يؤلف كتابا برسمه، ولم يؤثر أن يؤلف شيئا في غير العظات والحثّ على تقوى الله فأملى هذا الكتاب.
كتاب تفسير الهمزة والردف جزء.
كتاب سيف الخطبة جزءان يشتمل على خطب السنة، فيه خطب للجمع والعيدين والخسوف والكسوف والاستسقاء وعقد النكاح، وهي مؤلفة على حروف من حروف المعجم فيها خطب عمادها الهمزة، وخطب بنيت على الباء، وخطب على الدال وعلى الراء وعلى اللام وعلى الميم وعلى النون، وتركت الجيم والحاء وما يجري مجراها لأن الكلام المقول في الجماعات ينبغي أن يكون سجسجا سهلا، ومقداره أربعون كراسة، وكان سأله في هذا الكتاب رجل من المتظاهرين بالديانة فصنّف له.
كتاب نشر شواهد الجمهرة ولم يتمّ، ثلاثة أجزاء. كتاب دعاء وحرز الخيل.
كتاب مجد الأنصار في القوافي.
كتاب تاج الحرة في عظات النساء خاصة، وتختلف فصوله: فمنها ما يجيء بعد حرفه الذي يثبت ثبات الرويّ ياء التأنيث، كقوله: شائي وتشائي وتسائي وهابي وترابي، ومنه ما هو مبنيّ على الكاف نحو غلامك وكلامك، وفيها ما يجيء على تفعلين مثل ترغبين وتذهبين، وأنواعه كثيرة فيكون هذا الكتاب نحو أربعمائة كراسة.
كتاب يعرف بدعاء ساعة. وكتاب آخر يعرف بوقفة الواعظ.
كتاب يعرف بسجع الحمائم يتكلم فيه على ألسن حمائم أربع، وكان بعض الرؤساء سأله أن يصنّف له تصنيفا يذكّره فيه فأنشأ هذا الكتاب وجعل ما يقوله على لسان الحمامة في العظة والحثّ على الزهد، قال غيره: هو أربعة أجزاء مقداره ثلاثون كراسة.
كتاب يعرف بلزوم ما لا يلزم، وهو في المنظوم بني على حروف المعجم،
يذكر كل حرف سوى الألف بوجوهه الأربعة وهي الضمة والفتحة والكسرة والوقف.
ومعنى لزوم ما لا يلزم أن القافية يردّد فيها حرف لو غيّر لم يكن مخلّا بالنظم، كما قال كثير:
خليليّ هذا ربع عزّة فاعقلاقلوصيكما ثم انزلا حيث حلّت
فلزم اللام قبل التاء، وذلك لا يلزمه، ولم يفعل كما فعل الشنفرى في قصيدته التي على التاء لأنه لم يلزم فيها إلا حرفا واحدا، ولكنه خالف بين الحروف التي قبل الروي فقال:
أرى أم عمرو أزمعت فاستقلّتوما ودّعت جيرانها يوم ولّت
وقال فيها:
بريحانة من نبت حلية نوّرتلها أرج ما حولها غير مسنت
وقال فيها:
لها وفضة فيها ثلاثون سيحفاإذا آنست أولى العديّ اقشعرّت
ومن غير خطه: وهو ثلاثة أجزاء أو أربعمائة وعشرون كراسة، يحتوي على أحد عشر ألف بيت من الشعر.
وكتاب زجر النابح يتعلق بلزوم ما لا يلزم، وذلك أن بعض الجهال تكلّم على أبيات من لزوم ما لا يلزم يريد بها التشرير والأذيّة، فألزم أبا العلاء أصدقاؤه أن ينشيء هذا، فأنشأ هذا الكتاب وهو كاره.
ومن غير خطه: وهو شرح اللزوم، وهو جزء واحد مقداره أربعون كراسة.
كتاب يتعلق بزجر النابح سماه نجر الزجر. كتاب ملقى السبيل صغير فيه نظم ونثر. كتاب الجلي والحلي، سأله فيه صديق له من أهل حلب يعرف بابن الحلي مجلد واحد أو عشرون كراسة.
ومن غير هذا الجنس: كتاب لطيف فيه شعر قيل في الدهر الأول يعرف بكتاب سقط الزند وأبياته ثلاثة آلاف بيت.
كتاب يعرف بجامع الأوزان، فيه شعر منظوم على معنى اللغز يعمّ به الأوزان الخمسة عشر التي ذكرها الخليل بجميع ضروبها ويذكر قوافي كلّ ضرب من ذلك.
مثاله أن يقال للضرب الأولى من الطويل أربع قواف: المطلقة المجردة مثل قول القائل:
ألا يا أسلمي يا هند بني بدروإن كان حيّانا عدى آخر الدهر
والقافية المردفة مثل قول امرىء القيس:
ألا انعم صباحا أيها الطلل البالي
والمقيدة المجردة وذلك مفقود في الشعر القديم والمحدث، وربما جاء به المحدثون على النحو الذي يسمّى مقصورا كما قال بعض الناس وهو في السجن، هو صالح بن عبد القدوس:
إلى الله أشكو إنه موضع الشكوىوفي يده كشف المصيبة والبلوى
خرجنا من الدنيا ونحن من اهلهافما نحن بالأحياء فيها ولا الموتى
إذا ما أتانا مخبر عن حديثهافرحنا وقلنا جاء هذا من الدنيا
وتعجبنا الرؤيا فجلّ حديثناإذا نحن أصبحنا الحديث عن الرؤيا
فإن حسنت لم تأت عجلى وأبطأتوان قبحت لم تحتبس وأتت عجلى
والقافية المقيدة المؤسسة مثل أن يكون العادل والقائل، وذلك مرفوض متروك، ثم على هذا النحو إلى آخر الكتاب، ومقداره ستون كراسة، ويكون عدد أبيات شعره نحو تسعة الآف بيت، وهو ثلاثة أجزاء.
كتاب يعرف بالسجع السلطاني يشتمل على مخاطبات للجنود والوزراء وغيرهم من الولاة، وكان بعض من خدم السلطان وارتفعت طبقته ولا قدم له في الكتبة فسأل أن ينشأ له كتاب مسجوع من أوله إلى آخره، وهو لا يشعر بما يريد لقلة خبرته بالأدب فألّف له هذا الكتاب، وهو أربعة أجزاء.
وكتاب يعرف بسجع الفقيه جزء، ثلاثون كراسة.
وكتاب لطيف يعرف بسجع المضطرين عمله لرجل مسافر يستعين به على أمور دنياه.
وكتاب مختصر يعرف بذكرى حبيب، في غريب شعر أبي تمام، سأل فيه صديق لأبي العلاء من الكتّاب، وهو أربعة أجزاء، ستون كراسة.
وهذه الكتب المسؤول في تأليفها إنما تكلفها مؤلفها من فرط الحياء، وهو لتأليفها كاره.
وكتاب عبث الوليد فيما يتصل بشعر البحتريّ، وكان سبب إنشائه أن بعض الرؤساء أنفذ نسخة ليقابل له بها، فأثبت ما جرى من الغلط ليعرض ذلك عليه، وهو جزء واحد، عشرون كراسة.
وكتاب يعرف بالرياشي المصطنعي في شرح مواضع من الحماسة الرياشيّة عمل لرجل يلقب بمصطنع الدولة ويخاطب بالإمرة، واسمه كليب بن علي، ويكنى أبا غالب، أنفذ نسخة من الحماسة الرياشية وسأل أن يخرّج في حواشيها أشياء لم يذكرها أبو رياش مما يحتاج إلى تفسيره، فخشي أن تضيق الحواشي عن ذلك، فصنع هذا الكتاب، وجمع فيه ما سنح مما لم يفسّره أبو رياش، أربعون كراسة.
وكتاب يعرف بشرف السيف، عمل للرجل الذي كان مقيما بدمشق، وهو المعروف بنشتكين الدزبري، وكان السبب في عمله أنه كان يوجه إلى أبي العلاء بالسلام ويحفي المسألة عنه، فأراد جزاءه على ما فعل، جزءان.
وكتاب يعرف بتعليق الجليس مما يتصل بكتاب أبي القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي المعروف بالجمل، جزء.
وكتاب إسعاف الصديق ثلاثة أجزاء يتعلّق بالجمل أيضا.
وكتاب قاضي الحق يتصل بالكتاب المعروف بالكافي الذي ألفه أبو جعفر النحاس.
وكتاب الحقير النافع مختصر في النحو خمس كراريس. وكتاب يتصل به، يعرف بالطل الطاهري، أنشىء لرجل يعرف بأبي طاهر، حلبي.
وكتاب المختصر الفتحي يتصل بكتاب محمد بن سعدان، صنعه لرجل يكنى أبا الفتح محمد بن علي بن أبي هاشم، وكان أبو هذا الرجل تولّى إثبات ما ألفه أبو العلاء من جميع هذه الكتب، فألزمه بذلك حقوقا جمة وأيادي بيضا.
وكتاب في الرسائل الطوال فيها رسالة الغفران.
وكتاب سميته «خطب الخيل» يتكلم على ألسنتها، ومقداره عشر كراريس.
كتاب يعرف بخطبة الفصيح يتكلّم فيه على أبواب الفصيح مقداره خمس عشرة كراسة. وكتاب شرح فيه ما جاء في الذي قبله من الغريب يعرف بتفسير خطبة الفصيح.
وكتاب رسيل الراموز نحو ثلاثين كراسة. وكتاب راحة اللزوم ويشرح فيه ما في كتاب لزوم ما لا يلزم من الغريب نحو مائة كراسة.
وكتاب لطيف يعرف بخماسية الراح في ذم الخمر، ومعنى هذا الوسم أنه بني على حروف المعجم، فذكر لكل حرف تمكن حركته خمس سجعات مضمومات، وخمسا مفتوحات، وخمسا مكسورات، وخمسا موقوفات، يكون مقداره عشر كراريس.
وكتاب المواعظ الست، وهو لطيف، ومعنى هذا التلقيب أن الفصل الأول منه في خطاب رجل، والثاني في خطاب اثنين، والثالث في خطاب جماعة، والرابع في خطاب امرأة، والخامس في خطاب امرأتين، والسادس في خطاب نسوة، نحو خمس عشرة كراسة.
كتاب ضوء السقط، تفسير غريب سقط الزند، مقداره عشرون كراسة.
وكتاب الصاهل والشاحج يتكلم فيه على لسان فرس وبغل، مقداره أربعون كراسة، صنفه لأبي شجاع فاتك الملقب بعزيز الدولة والي حلب من قبل المصريين وكان روميا.
كتاب لسان الصاهل والشاحج في تفسير الكتاب الذي قبله.
كتاب القائف على معنى كليلة ودمنة، ألفت منه أربعة أجزاء ثم انقطع تأليفه لموت من أمر بعمله وهو عزيز الدولة فاتك المقدم ذكره، ومقداره ستون كراسة.
وكتاب منار القائف في تفسير الكتاب الذي قبله فيما جاء فيه من اللغز والغريب، عشر كراريس. كتاب دعاء الأيام السبعة.
وكتاب رسالة على لسان ملك الموت ﵇.
وكتاب بعض فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
وكتاب رسالة العصفورين.
وكتاب السجعات العشر، موضوع على كل حرف من حروف المعجم عشر سجعات في المواعظ.
كتاب شرح سيبويه لم يتمّ، مقداره خمسون كراسة.
كتاب يتصل بكتاب الزجاجيّ يعرف بعون الجمل، عمل أيضا لابي الفتح محمد بن علي بن أبي هاشم المذكور آنفا، وهو آخر شيء أملاه.
وكتاب في النحو يتصل بالكتاب المعروف بالعضدي ولقبه «ظهير العضدي».
وكتاب ديوان الرسائل وهو ثلاثة أقسام: الأوّل رسائل طوال تجري مجرى الكتب المصنفة مثل كتاب «رسالة الملائكة» وكتاب «الرسالة السندية» جزء، وكتاب «رسالة الغفران» جزء، وكتاب «رسالة الفرض» جزء ونحو ذلك. والثاني: رسائل دون هذه في الطول مثل كتاب رسالة المنيح. وكتاب رسالة الأغريض. والثالث:
كتاب الرسائل القصار كنحو ما تجري به العادة في المكاتبة، قيل إنه أربعون جزءا، وقيل إنه ثمانمائة كراسة.
وكتاب خادم الرسائل في تفسير ما تضمّنته هذه الرسائل مما يحتاج إليه المبتدئون في الأدب.
كتاب تظلم السور. وكتاب عظات السور. وكتاب الراحلة ثلاثة أجزاء في تفسير كتاب لزوم ما لا يلزم.
وكتاب في المنظوم يعرف بكتاب استغفر واستغفري، مقداره مائة وعشرون كراسة، فيه نحو من عشرة آلاف بيت.
وكتاب يعرف بالرسالة الحضية. وكتاب رسائل المعونة وهي ما كتبت على ألسن قوم. وكتاب مثقال النظم في العروض، جزء.
وكتاب اللامع العزيزي في تفسير شعر المتنبي عمل للأمير عزيز الدولة وغرسها ابن تاج الأمراء أبي الدوام ثابت بن ثمال بن صالح بن مرداس بن إدريس بن نصر بن حميد بن شداد بن عبد قيس بن ربيعة بن كعب بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ويقال له أيضا «الثابتي العزيزي» مقداره مائة وعشرون كراسة.
هذا ما وجدناه وأثبتناه عن جماعة من أصحاب أبي العلاء. قالوا: وله بعض
كتب في العروض والشعر بدأ بها ولم تتمّ أو تمت وشذّ عنّا أسماؤها.
ومن شعره الدالّ على سوء عقيدته من لزوم ما لا يلزم:
ألا فانعموا واحذروا في الحياةملمّا يسمّى زوال النعم
أتوكم بأقوالهم والحسامفشدّ به زاعم ما زعم
تلوا باطلا وجلوا صارماوقالوا صدقنا فقلنا نعم
زخارف ما ثبتت في القلوبعمّى عليكم بهنّ المعم
ومن ذلك أيضا:
فقد طال العناء فكم تعانيسطورا عاد كاتبها بطمس
دعا موسى وزال وقام عيسىوجاء محمد بصلاة خمس
وقيل يجيء دين غير هذافأودى الناس بين غد وأمس
إذا قلت المحال رفعت صوتيوان قلت اليقين أطلت همسي
ومن ذلك أيضا:
وجدت الشرع تخلقه اللياليكما خلق الرداء الشرعبيّ
هي العادات يجري الشيخ منهاعلى شيم تعوّدها الصبيّ
وأشوى الحقّ غاو مشرقيولم يرزقه آخر مغربيّ
فذا عمر يقول وذا سواهكلا الرجلين في الدعوى غبي
ومن ذلك أيضا:
إذا ما ذكرنا آدما وفعالهوتزويجه بنتيه لابنيه في الدنا
علمنا بأن الخلق من أصل ريبةوأنّ جميع الناس من عنصر الزنا
وقال في «رسالة الغفران» ولما أجلى عمر بن الخطاب أهل الذمة عن جزيرة العرب شقّ ذلك على الجالين، فيقال إن رجلا من يهود خيبر يعرف بسمير بن أدكن قال في ذلك:
يصول أبو حفص علينا بدرّةرويدك إنّ المرء يطفو ويرسب
كأنك لم تتبع حمولة مأقطلتشبع إنّ الزاد شيء محبب
فلو كان موسى صادقا ما ظهرتمعلينا ولكن دولة ثم تذهب
ونحن سبقناكم إلى المين فاعرفوالنا رتبة البادي الذي هو أكذب
مشيتم على آثارنا في طريقناوبغيتكم في أن تسودوا وترهبوا
وهذا يشبه أن يكون شعره قد نحله هذا اليهودي، أو أن إيراده لمثل هذا واستلذاذه به من أمارات سوء عقيدته وقبح مذهبه.
ومن أشعاره الدالة على سوء اعتقاده قوله في لزوم ما لا يلزم أيضا:
وهيهات البرية في ضلالوقد نظر اللبيب لما اعتراها
تقدّم صاحب التوراة موسىوأوقع في الخسار من اقتراها
فقال رجاله وحي أتاهوقال الناظرون بل افتراها
وما حجّي إلى أحجار بيتكؤوس الخمر تشرب في ذراها
إذا رجع الحليم إلى حجاهتهاون بالمذاهب وازدراها
ومنها أيضا:
خذ المرآة واستخبر نجوماتمرّ بمطعم الأري المشور
تدلّ على الممات بلا ارتيابولكن لا تدلّ على النشور
ومنها أيضا:
هفت الحنيفة والنصارى ما اهتدواويهود حارت والمجوس مضلّله
اثنان أهل الأرض ذو عقل بلادين وآخر ديّن لا عقل له
ومنها أيضا:
إن الشرائع ألقت بيننا إحناوأورثتنا أفانين العداوات
وما أبيحت نساء الروم عن عرضللعرب إلا بأحكام النبوات
ومنها أيضا:
تناقض مالنا إلا السكوت لهوأن نعوذ بمولانا من النار
يد بخمس مئين عسجدا فديتما بالها قطعت في ربع دينار
قال المؤلف: كأنّ المعري حمار لا يفقه شيئا، وإلا فالمراد بهذا بيّن: لو كانت اليد لا تقطع إلا في سرقة خمسمائة دينار لكثر سرقة ما دونها طمعا في النجاة، ولو كانت اليد تفدى بربع دينار لكثر من يقطعها ويؤدّي ربع دينار دية عنها، نعوذ بالله من الضلال.
ومنها أيضا:
ضحكنا وكان الضحك منا سفاهةوحقّ لسكان البسيطة أن يبكوا
تحطّمنا الأيام حتى كأننازجاج ولكن لا يعاد لنا سبك
ومما يدل على كفره تصريحا قوله:
عقول يستخفّ بها سطورولا يدري الفتى لمن الثبور
كتاب محمد وكتاب موسىوإنجيل ابن مريم والزبور
ومن ذلك أيضا:
صرف الزمان مفرّق الإلفينفاحكم إلهي بين ذاك وبيني
أنهيت عن قتل النفوس تعمداوبعثت أنت لقتلها ملكين
وزعمت أن لها معادا ثانياما كان أغناها عن الحالين
ومن ذلك أيضا:
إذا كان لا يحظى برزقك عاقلوترزق مجنونا وترزق أحمقا
فلا ذنب يا ربّ السماء على امرىءرأى منك ما لا يشتهي فتزندقا
ومن ذلك أيضا قوله:
في كل أمرك تقليد تدين بهحتى مقالك ربي واحد أحد
وقد أمرنا بفكر في بدائعهفان تفكّر فيه معشر لحدوا
[ومن ذلك أيضا]:
لولا التنافس في الدنيا لما وضعتكتب التناظر لا المغني ولا العمد
ومن ذلك أيضا قوله:
قلتم لنا خالق قديمصدقتم هكذا نقول
زعمتموه بلا زمانولا مكان ألا فقولوا
هذا كلام له خبيءمعناه ليست لكم عقول
ومن ذلك أيضا قوله:
دين وكفر وأنباء تقال وفرقان ينصّ وتوراة وإنجيل
في كلّ جيل أباطيل ملفّقةفهل تفرّد يوما بالهدى جيل
ومن ذلك أيضا:
الحمد لله قد أصبحت في لججمكابدا من هموم الدهر قاموسا
قالت معاشر لم يبعث إلاهكمإلى البرية عيساها ولا موسى
وإنما جعلوا الرحمن مأكلةوصيروا دينهم للملك ناموسا
ولو قدرت لعاقبت الذين بغواحتى يعود حليف الغيّ مرموسا
ومن ذلك أيضا قوله:
ولا تحسب مقال الرسل حقّاولكن قول زور سطّروه
وكان الناس في عيش رغيدفجاؤوا بالمحال فكدّروه
قال المؤلف: نقلت هذا كلّه من تاريخ غرس النعمة محمد بن هلال بن المحسن الصابي، وحمدت الله تعالى على ما ألهم من صحة الدين وصلاح اليقين، واستعذت به من استيلاء الشيطان على العقول.
قرأت في كتاب «فلك المعاني»: إن كثيرا من الجهّال يعدّ الموت ظلما من البارىء ﷿ ويستقبحه بما فيه من النعمة والحكمة والراحة والمصلحة، وقد قال أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري مع تحذلقه ودعواه الطويلة العريضة وشهرة نفسه بالحكمة ومظاهرته:
ونهيت عن قتل النفوس تعمّداوبعثت أنت لقتلها ملكين
وزعمت أن لنا معادا ثانياما كان أغناها عن الحالين
وهذا كلام مجنون معتوه يعتقد أنّ القتل كالموت والموت كالقتل، فليت هذا الجاهل لما حرم الشّرع وبرده، والحقّ وحلاوته، والهدى ونوره، واليقين وراحته، لم يدّع ما هو بريء منه بعيد عنه، ولم يقل:
غدوت مريض العقل والرأي فالقنيلتخبر أنباء العقول الصحائح
حتى سلّط الله عليه أبا نصر بن أبي عمران داعي الدعاة بمصر فقال له: أنا ذلك
المريض رأيا وعقلا، وقد أتيتك مستشفيا فاشفني، وجرت بينهما مكاتبات كثيرة أمر في آخرها بإحضاره حلب، ووعده على الإسلام خيرا من بيت المال، فلما علم أبو العلاء أنه يحمل للقتل أو الإسلام سمّ نفسه ومات، وليته لما ادّعى العقل خرس ولم يقل مثل هذه الترهات التي يخلد إليها من لا حاجة لله تعالى فيه.
قال المؤلف: لما وقفت على هذه القصة اشتهيت أن أقف على صورة ما دار بينهما على وجهه حتى ظفرت بمجلّد لطيف وفيه عدّة رسائل من أبي نصر هبة الله بن موسى بن أبي عمران إلى المعري في هذا المعنى، انقطع الخطاب بينهما على المساكتة، ولم يذكر فيها ما يدلّ على ما ذهب إليه ابن الهبارية من سمّ المعريّ نفسه.
ونقلها على الوجه يطول فلخّصت منها الغرض دون تفاصح المعرّي وتشدّقه.
كتب ابن أبي عمران إليه:
الشيخ- أحسن الله توفيقه- الناطق بلسان الفضل والأدب، الذي ترك من عداه صامتا، مشهود له بهذه الفضيلة من كلّ من هو فوق البسيطة. غير أن الأدب الذي هو جالينوس طبّه، وعنده مفاتح غيبه، ليس مما يفيده كبير فائدة في معاشه أو معاده سوى الذكر السائر به الركبان، مما هو إذا تسامع المذكور به علم أنه له بمكانه الجمال والزينة ما دام حيا، فإذا رمت به يد المنون من ظهر الأرض إلى بطنها فلا بحسن ذكره ينتفع، ولا بقبحه يستضرّ. وإذ كانت الصورة هذه كان مستحيلا منه- أيده الله- مع وفور عقله أن جعل موادّه كلّها منصبّة إلى إحكام اللغة العربية والتقعّر فيها، واستيفاء أقسام ألفاظها ومعانيها، ووفر عمره على ما لا نتيجة لها منها، وترك نفسه المتوقدة نار ذكائها خلوا من النظر في شأن معاده وأن يمتار من علمه ما هو أنفع، فيمكث إذا ذهب الزبد جفاء من غيره، فإذا هو حرسه الله بمقتضى هذا الحكم مرتو من عذب مشرب هذا العلم، وإنما ليس يبوح به لضرب من ضروب السياسة.
والدليل على كونه ناظرا لمعاده سلوكه سبيل [شظف] العيش والتزهد، وعدوله عن الملاذّ من المأكول والمشروب والملبوس، وتعفّفه عن أن يجعل جوفه للحيوان
مدفنا، أو أن يذوق من درّها لبنا، أو يستطعم من [طعام] استكدّت عليه في حرثه وإنشائه، وهذه طريقة من يعتقد أنه إذا آلمها جوزي بألمها، وهذا غاية في الزهد.
ولما رأيت ذلك وسمعت داعية البيت الذي يعزى إليه وهو:
غدوت مريض الدين والعقل فالقنيلتعلم أنباء الأمور الصحائح
شددت إليه راحلة العليل في دينه وعقله إلى الصحيح الذي ينبئني أنباء الأمور الصحائح. وأنا أول ملبّ لدعوته معترف بخبرته، وهو حقيق أن لا يوطئني العشوة فيسلك بي في المجاهل، ولا يعتمد فيما يورده تلبيس الحقّ بالباطل.
وأوّل سؤالي عن أمر خفيف فإن استنشقت نسيم الشفاء سقت السؤال إلى المهمّ: أسأله عن العلّة في تحريمه على نفسه اللحم واللبن وكلّ ما صدر إلى الوجود من منافع الحيوان فأقول: أليس النبات موضوعا للحيوان يمتار منه، وبوجوده وجوده، وبقوة في الحيوان حساسة ما استولى على الانتفاع بالنبات؟ ولو لم يكن الحيوان لكان موضوع النبات باطلا لا معنى له، وعلى هذه القضية فإن القوة الإنسانية مستولية على الحيوان استيلاء الحيوان على النبات لرجحانها عليه بالنطق والعقل، فهي مسخّرة له على أنواع من التسخير ولولا ذلك لكان موضوع الحيوان باطلا. فتجافي الشيخ- وفقه الله- عن الانتفاع بما هو موضوع له مخلوق لأجله إبطال لتركيب الخلقة. ثم امتناعه من أكل الحيوان ليس يخلو القصد به من أحد أمرين. إما أنه تأخذه رأفة بها فلا يرى تناولها بالمكروه، وما ينبغي له أن يكون أرأف بها من خالقها، فإذا ادّعى أنّ تحليلها وتحريمها إنما كان من بعض البشر، يعني به أصحاب الشرائع، وأن الله لم يبح إراقة دم حيوان وأكله، كان الدليل على بطلان قوله وقوع المشاهدة لجنس السباع وجوارح الطير التي خلقها الله سبحانه على صيغة لا تصلح إلا لنتش اللحوم وفسخها، وتمزيق الحيوانات وأكلها. وإذا كان هذا الشكل قائم العين في الفطرة كان جنس البشر وسيع العذر في أكل اللحوم، وكان من أحلّ لهم ذلك محقا. والثاني أنه يرى سفك دماء الحيوان خارجا عن أوضاع الحكمة، وذلك اعتراض منه على خالقه الذي أوجده، وإذا أنعم الشيخ وساق إليّ حجة أعتمدها رجوت كشف المرض الذي وقع اعترافي به.
الجواب من أبي العلاء المعري إليه:
قال العبد الضعيف العاجز أحمد بن عبد الله بن سليمان: أول ما أبدأ به أني أعدّ سيدنا الرئيس الأجلّ المؤيد في الدين- أطال الله بقاءه- ممن ورث حكمة الأنبياء، وأعدّ نفسي الخاطئة من الأغبياء. وهو بكتابه إليّ متواضع، ومن أنا حتى يكتب مثله إلى مثلي؟! مثله في ذلك مثل الثريا كتبت إلى الثرى. وقد علم الله أن سمعي ثقيل، وبصري عن الابصار نقيل. قضي عليّ وأنا ابن أربع، لا أفرق بين البازل والرّبع، ثم توالت محني، فأشبه شخصي العود المنحني، ومنيت في آخر عمري بالإقعاد، وعداني عن النهضة عاد.
وأما ما ذكره سيدنا الرئيس الأجلّ المؤيد في الدين فالعبد الضعيف العاجز يذكر له مما عاناه طرفا فأقول: إنّ الله جلّت عظمته حكم عليّ بالإزهاد، فطفقت من العدم في جهاد. وأما قول العبد الضعيف العاجز:
غدوت مريض العقل والدين فالقني
فإنما خاطب به من هو في غمرة الجهل، لا من هو للرياسة علم وأصل، وقد علم أنّ الحيوان كلّه حساس يقع به الألم، وقد سمع العبد الضعيف [شيئا] من اختلاف القدماء، وأول ما يبدأ به لو أن قائلا من البشر قال: إذا بنينا القضية البتيّة المركبة من المسند والمسند إليه، ولها واسطتان إحداهما نافية والأخرى استثنائية، فقلنا: الله لا يفعل إلا الخير، أفهذه القضية كاذبة أم صادقة؟ فإن قيل إنها صادقة فقد رأينا الشرور غالبة، فعلمنا أنّ ذلك أمر خفي. ولم يزل من ينسب إلى الدين يرغب في هجران اللحوم لأنها لم يوصل إليها إلا بإيلام حيوان، يفرّ منه في كلّ أوان، وأن الضائنة تكون في محلّ القوم وهي حامل، فإذا وضعت وبلغ ولدها شهرا أو نحوه اعتبطوه فأكلوه، ورغبوا في اللبن، وباتت أمه ثاغية، لو تقدر سعت له باغية. وقد
تردّد في كلام العرب ما يلحق الوحشية من الوجد والناقة إذا فقدت الفصيل، فقال قائلهم:
فما وجدت كوجدي أمّ سقبأضلّته فرجّعت الحنينا
وللسائل أن يقول: إن كان الخير لا يريد ربّنا سواه، فالشرّ لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون قد علم به أولا، فإن كان عالما به فلا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون مريدا له أولا، فإن كان مريدا له فكأنه الفاعل، كما أن القائل يقول: قطع الأمير يد السارق، وإن لم يباشر ذلك بنفسه، وإن كان غير مريد فقد جاز عليه ما لا يجوز على أمير مثله في الأرض إنه إذا فعل في ولايته شيء لا يرضاه أنكره وأمر بزواله، وهذه عقدة قد اجتهد المتكلمون في انحلالها فأعوزهم.
وقد ذكرت الأنبياء أنّ البارىء جلّت عظمته رؤوف رحيم، ولو رأف ببني آدم وجب أن يرأف بغيرهم من أصناف الحيوان الذي يجد الألم بأدنى شيء، وقد علم أن الوحش الراتعة يبكر إليها الفارس فيطعن العير أو الأتان، وهنّ ما أسدين إليه ذنبا.
ولأيّ حال استوجب من يفعل بها هذا الرأفة وهي لم تشرب من الماء بذنوب، ولم تجن ما يكتب من الذنوب. وقد رأيت الجيشين المنتسب كلّ واحد منهما إلى الشرع المنفرد، يلتقيان وكلاهما في مدد، ويقتل بينهما آلاف عددا. فهذا محسوب من أي الوجهين؟ فليس عند النظر بهين.
فلما بلغ العبد الضعيف العاجز اختلاف الأقوال وبلغ ثلاثين عاما، سأل ربه إنعاما، ورزقه صوم الدهر، فلم يفطر في السنة ولا الشهر، إلا في العيدين، وصبر على توالي الجديدين، وظنّ اقتناعه بالنبات يثبت له جميل العافية.
وقد علم سيدنا الرئيس الأجلّ المؤيد في الدين ولا ريب أنه قد نظر في الكتب المتقدمة ما حكي عن جالينوس وغيره من اعتقاد يدلّ على الحيرة، وإذا قيل إن البارىء رؤوف رحيم فلم سلّط الأسد على افتراس نسمة إنسية، ليست بالمفسدة ولا القسيّة؟ وكم مات بلدغ الحيات جماعة مشهورة، وسلّط على الطير الراضية بلقط الحبة البازي والصقر، وإن القطاة لتدع فراخها ظماء وتبتكر لترد ماء تحمله إليها في
حوصلتها، فيصادفها دونهنّ أجدل فيأكلها فيهلك فراخها عطشا، وذكر أشياء من هذا الباب ثم قال: وأعوذ بالله وأتبرأ من قول الكافر:
ألمت بالتحية أمّ بكرفحيّوا أمّ بكر بالسلام
وكائن بالطويّ طويّ بدرمن الأحساب والقوم الكرام
وكائن بالطويّ طويّ بدرمن الشيزى تكلّل بالسنام
ألا يا أمّ بكر لا تكرّيعليّ الكاس بعد أخي هشام
وبعد أخي أبيه وكان قرمامن الأقرام شرّاب المدام
ألا من مبلغ الرحمن عنيبأني تارك شهر الصيام
إذا ما الرأس زايل منكبيهفقد شبع الأنيس من الطعام
أيوعدنا ابن كبشة أن سنحياوكيف حياة أصداء وهام
أيترك أن يردّ الموت عنيويحييني إذا بليت عظامي
ولعن الله القائل، ويقال إنه الوليد بن يزيد بن عبد الملك:
أدنيا مني خليليعند لا دون الإزار
فلقد أيقنت أنيغير مبعوث لنار
سأروض الناس حتىيركبوا دين الحمار
وأرى من يطلبالجنة يسعى في خسار
وويل لابن رغبان إن كان قال:
هي الأولى وقد نعموا بأخرىوتسويف الظنون من السواف
فإن يك بعض ما قالوه حقافإن المبتليك هو المعافي
ومما حثني على ترك أكل الحيوان أنّ الذي لي في السنة نيف وعشرون دينارا، فإذا أخذ خادمي بعض ما يجب، بقي لي ما لا يعجب؛ فاقتصرت على فول وبلسن، وما لا يعذب على الألسن. فأما الآن فإذا صار إلى من يخدمني كبير عندي وعنده هين، فما حظّي إلا اليسير المتعيّن. ولست أريد في رزقي زيادة، ولا أوثر لسقمي عيادة، والسلام.
الجواب من ابن أبي عمران:
حوشي الشيخ- أدام الله سلامته- من أن يكون ممن فطن في مرض دينه وعقله لعلته، وأجاب دعوة الداعي منه، بالبيت الشائع عنه لينال شفاء علته، جوابا يزيده إلى غلّته غلة، إذا يكون كما قال المتنبي:
أظمتني الدنيا فلما جئتهامستسقيا مطرت عليّ مصائبا
كان سؤالي له- حرسه الله- في شيء يختصّ بنفسه في هجره ما يشدّ الجسم من اللحم الذي ينبت اللحم، فأجاب بما أقول في جوابه: أهذه أنباء الأمور الصحائح؟
وهل زاد السقيم بدوائه هذا إلا سقما، والأعمى الأصمّ في دينه وعقله بما قال إلا عمى وصمما، على أن جميع ما ذكره بنجوة عن سؤالي الأول ومعزل عنه، ولا مناسبة بينها وبينه.
وأما القول بأن اللحوم لا يوصل إليها إلا بإيلام الحيوان فقد سبق الجواب: لا يكوننّ الشيخ أرأف بها من خالقها، فليس يخلو من كونه عادلا أو جائرا، فإن كان عادلا فإنه سبحانه يقبض أرواح الآكل والمأكول جميعا، وذلك مسلّم له، وإن كان جائرا لم ينبغ أن نرجح على خالقنا بعدلنا وجوره.
وأما قوله: وللسائل أن يقول إن كان الخير هو الذي لا يريد ربنا سواه فالشرّ لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون قد علم به أولا إلى آخره، فأقول: قيل إن إنسانا ضاع له مصحف فقيل له اقرأ: وَالشَّمْسِ وَضُحاها
(الشمس:) فإنك تجده، فقال
وهذه السورة أيضا فيه. فأقول أيضا إن هذا أيضا من ذلك، وجميعه ظلمات فأين النور؟ وإنما قصدنا أن نعرف أنباء الأمور الصحائح كما قاله.
وأما قوله لما رأى اختلاف الأقوال، وأيقن بنفاد وزوال، سأل ربّه أن يرزقه صوم الدهر، واقتنع بالنبات، فما صحّ لي أن الربّ الذي سأله هو الذي يريد الخير وحده، أو الذي يريد الشر وحده، أو الذي يريدهما جميعا. والصوم فرع على أصل من شرع يأتي به رسول، والرسول يتعلّق بمرسل، وقصتنا في المرسل مشتبهة: يبعث رسولا يريد أن يطاع أم لا يطاع؛ فإن كان يريد أن يطاع فهو مغلوب على إرادته لأن من لا يطيعه أكثر، وإن كان يريد أن لا يطاع فإرساله إياه محال وطلبه حجّة على الضعفاء ليعذبهم. فإن كان موضوع صومه على هذا فلم يفعل شيئا، وإن كان على غيره مما هو أجلى وأوضح فهو الذي أطلبه.
وأما حكايته قول بعض الملحدين واستعاذته بالله أن يكون من المعترضين في قوله تعالى: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى وَثَمُودَ فَما أَبْقى
(النجم:) الآيات: إن كان البارىء سبحانه خلقهم وهو يعلم أنهم مجرمون، وللتوبة والإنابة يحرمون فكان الأولى به- وهو الرؤوف الرحيم- أن لا يخلقهم لئلا يعذّبهم، وإن كان لا يعلم فهو كأمثالنا ولا يدري ما يكون منه.
وقول الشيخ بعده: معاذ الله أن نقول ذلك بل نسلّم ونتلو الآية: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً
(الكهف:) فليس الملحد إذا قال: إن السكر حلو والخلّ حامض لا يقبل منه لكونه ملحدا، وقوله يقتضي جوابا.
فإن كان عند الشيخ جواب فهو الذي نبغي، وإلا فما التسليم في هذا الموضع إلا التسليم للملحد لا شيء غيره. وأما إنشاده:
ألمت بالتحية أم عمرو
وما بعده من الأشعار وذمّه من قال ولعنه، فمن الذي اتهمه بشيء من ذلك حاشاه؟ وما الذي أوجب الإذكار بكفريات شعرهم؟ وأما ختمه الرسالة بقوله: إن الذي حثّه على ترك أكل الحيوان أن الذي له في السنة نيف وعشرون دينارا يصير إلى خادمه معظمها ويبقى له أيسرها، فمحمل مؤونة القدر الذي يطعمه لو كان ثقيلا لوجب
تحمله، فكيف وهو الخفيف محمله؟ وقد كاتبت مولاي تاج الأمراء - حرس الله عزه- أن يتقدم بازاحة العلة فيما هو بلغة مثله من ألذّ الطعام، ومراعاته به على الإدرار والدوام، ليتكشّف عنه غاشية هذه الضرورة، ويجري أمره في معيشته على أحسن ما يكون من الصورة. ثم إن قام من الشيخ نشطة لجواب أعفاني فيه عن قصد الأسجاع ولزوم ما لا يلزم فإن ملتمسي فيه المعاني لا الألفاظ.
الجواب من أبي العلاء:
سيدنا الرئيس الأجل المؤيد في الدين عصمة المؤمنين، هدى الله الأمم بهدايته، وسلك بهم طريق الخير على يده: قد بدأ المعترف بجهله المقرّ بحيرته، والداعي إلى الله سبحانه أن يرزقه ما قلّ من رحمته في أول ما خاطبه به أن ذكر اعتقاده في سيدنا الرئيس الأجلّ المؤيد في الدين، ضوّأ الله الظلم ببصيرته، وأذهب شكوك الأفئدة برأيه وحكمته، وما نفسه عليه من الذلّة والحقرّية عنده، وأنه يحسبها ساكنة في بعض السوام. وعجب أن مثله يطلب الرشد ممن لا رشد عنده، فيكون كالقمر الذي هو دائب في خدمة ربّه ليلا ونهارا، يطلب الحقيقة من أقمر بفلاة يرد الماء على الصائد ويصيب قلبه بسهم.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع