من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
أحمد بن علي بن خيران الكاتب المصري أبو محمد
: الملقب بوليّ الدولة، صاحب ديوان الانشاء بمصر بعد أبيه، وكان أبوه أيضا فاضلا بليغا أعظم قدرا من ابنه
وأكثر علما، وكان أبو محمد هذا يتقلّد ديوان الانشاء للظاهر ثم للمستنصر، وكان رزقه في كلّ سنة ثلاثة آلاف دينار، وله عن كلّ ما يكتبه من السجلات والعهود وكتب التقليدات رسوم يستوفيها من كل شيء يحسبه، وكان شابا حسن الوجه جميل المروءة واسع النعمة طويل اللسان جيّد العارضة. وسلّم إلى أبي منصور ابن الشيرازي رسول [أبي] كاليجار إلى مصر من بغداد جزءين من شعره ورسائله، واستصحبهما إلى بغداد ليعرضهما على الشريف المرتضى أبي القاسم وغيره ممن يأنس به من رؤساء البلد، ويستشير في تخليدهما دار العلم، لينفذ بقية الديوان والرسائل إن علم أنّ ما أنفذه منها ارتضي واستجيد، وانه فارقه حيا، ثم ورد الخبر بأنه مات في شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة في أيام المستنصر.
قال ابن عبد الرحيم: ووقع إليّ الجزء من الشعر فتأملته فما وجدته طائلا، وعرّفني الرئيس أبو الحسين هلال بن المحسن أن الرسائل صالحة سليمة، قال: وقد انتزعت من المنظوم، على خلوّه إلا من الوزن والقافية. فمن شعره:
عشق الزمان بنوه جهلا منهموعلمت سوء صنيعه فشنئته
نظروه نظرة جاهلين فغرّهمونظرته نظر الخبير فخفته
ولقد أتاني طائعا فعصيتهوأباحني أحلى جناه فعفته
ومن شعره أيضا:
ولي لسان صارم حدّهيدمي إذا شئت ولا يدمى
ومنطق ينظم شمل العلاويستميل العرب والعجما
ولو دجا الليل على أهلهفأظلموا كنت لهم نجما
ومن شعره أيضا:
أخذ المجد يمينيليفيضنّ يميني
ثم لا أرجىء إحسانا إلى [من] يرتجيني
ومن شعره أيضا:
ولقد سموت على الأنام بخاطرالله أجرى منه بحرا زاخرا
فإذا نظمت نظمت روضا حالياوإذا نثرت نثرت درا فاخرا
وقال على لسان بعض العلويين يخاطب العباسيين:
وينطقنا فضل البدار إلى الهدىويخرسكم عن ذكر فضل [لكم] بدر
وقد كانت الشورى علينا غضاضةولو كنتم فيها استطاركم الكبر
ومن شعره أيضا:
يا من إذا أبصرت طلعتهسدّت عليّ مطالع الحزم
قد كفّ لحظي عنك مذ كثرتفينا الظنون فكفّ عن ظلمي
ومن شعره أيضا:
حيّوا الديار التي أقوت مغانيهاواقضوا حقوق هواها بالبكا فيها
ديار فاترة الألحاظ فاتنةجنت عليك ولجّت في تجنيها
ظلّت تسحّ دموعي في معاهدهاسحّ السحاب إذا جادت عزاليها
ومن شعره أيضا:
أيها المغتاب لي حسدامت بداء البغي والحسد
حافظي من كلّ معتقدفيّ سوءا حسن معتقدي
ومن شعره أيضا:
أما ترى الليل قد ولّت كواكبهوالصبح قد لاح وانبثت مواكبه
ومنهل العيش قد طابت مواردهوالدهر وسنان قد أغفت نوائبه
فقم بنا نغتنم صفو الزمان فماصفا الزمان لمخلوق يصاحبه
ومن شعره أيضا:
خلقت يدي للمكرمات ومنطقيللمعجزات ومفرقي للتاج
وسموت للعلياء أطلب غايةيشقى بها الغاوي ويحظى الراجي
ومن شعره:
أنا شيعيّ لآل المصطفىغير أني لا أرى سبّ السلف
ضأقصد الإجماع في الدين ومنقصد الاجماع لم يخش التلف
لي بنفسي شغل عن كلّ منللهوى قرّظ قوما أو قذف
ومن شعره:
فقام يباهي غرة الشمس نورهوتنصف من ظلم الزمان عزائمه
أغرّ له في العدل شرع يقيمهوليس له في الفضل ندّ يقاومه
وقال على لسان ذلك الملك يخاطب الظاهر لاعزاز دين الله حين أمر بالختم على جميع ما له هذين البيتين، وكانا السبب في الإفراج عما أخذ منه والرضى عنه:
من شيم المولى الشريف العليألّا يرى مطّرحا عبده
وما جزا من جنّ من حبكمأن تسلبوه فضلكم عنده
وكان ابن خيران قد خرج إلى الجيزة متنزها ومعه جماعة من أصحابه المتقدمين في الأدب والشعر والكتابة، وقد احتفوا به يمينا وشمالا، فأدّى بهم السير إلى مخاضة مخوفة، فلما رأى إحجام الجماعة من الفرسان عنها وظهور جزعهم منها قنّع بغلته فولّجها حتى قطعها، وانثنى قائلا مرتجلا:
ومخاضة يلقى الردى من خاضهاكنت الغداة إلى العدا خوّاضها
وبذلت نفسي في مهاول خوضهاحتى تنال من العلا أغراضها
وله أيضا:
من كان بالسيف يسطو عند قدرتهعلى الأعادي ولا يبقى على أحد
ضفإن سيفي الذي أسطو به أبدافعل الجميل وترك البغي والحسد
وله أيضا:
قد علم السيف وحدّ القناأنّ لساني منهما أقطع
والقلم الأشرف لي شاهدبأنني فارسه المصقع
قال ابن عبد الرحيم: وهو كثير الوصف لشعره والثناء على براعته ولسنه، وجميع ما في الجزء بعد ما ذكرته لا حظّ فيه، وليس فيه مدح إلا في سلطانهم المستنصر، والباقي على نحو ما ذكرته في مراثي أهل البيت ﵈، ولو كان فيه ما يختار لاخترته.
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع