تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

أحمد بن علي أبو الحسن البتي الكاتب

: كان يكتب للقادر بالله عند مقامه بالبطيحة، ولما وصلته البيعة كتب عنه إلى بهاء الدولة. وكان البتي حافظا للقرآن تاليا له مليح المذاكرة بالأخبار والآداب، عجيب النادرة ظريف المزح والمجون.

قال ابن عبد الرحيم: كان البتي في بدء أمره يلبس الطيلسان ويسمع الحديث ويقرأ القرآن على شيوخ عصره، وكان يذكر أنه قرأ القرآن على زيد بن أبي بلال، وكان غاية في جميع خلال الأدب، يتعلق بصدور وافرة من فنون العلم، ويكتب خطا جيدا، ويترسّل ترسلا لا بأس به، وينظم شعرا دون ما كان حظي به من العلم؛ ثم لبس من بعد الدرّاعة وسلك في لبسه مذاهب الكتاب القدماء، وكان يلبس الخفّين والمبطّنة ويتعمم العمّة الثغرية وإن لبس لالجة لم تكن إلا مربدية، وكان لا

يتعرض لحلق شعره جريا على السنة السالفة. وكتب من بعد في ديوان الخلافة، وكان له حرمة بالقادر بالله رعاها له، ثم غلب على أخلاقه الهزل وتجافى الجدّ بالواحدة وانقطع إلى اللعب، وكان شكله ولفظه وما يورده من النوادر يدعو إلى مكاثرته والرغبة إلى مخالطته، فحضر مجلس بهاء الدولة في جملة الندماء، ونفق عليه نفاقا لا مزيد عليه، ولم يكن لأحد من الرؤساء مسرّة تتمّ ولا أنس يكمل إلا بحضوره، فكانوا يتداولونه ولا يفارقونه، ونادم الوزراء حتى انتهى إلى منادمة فخر الملك، وأعجب به غاية الإعجاب وأحسن إليه غاية الاحسان، ومات في أيامه. وكانت له نوادر مضحكة وجوابات سريعة لا يكاد يلحقه فيها أحد، وتعرّض لغيبة الناس تعرضا قلّ ما أخلّ به على الوجه المضحك الذي يكون سببا إلى تدارك تلك المنقصة وطريقا إلى [تغمد] زلته فيها بما اعتمده من التطايب. وكان يذهب مذهب المعتزلة ويميل إلى فقه أبي حنيفة، ويتعصّب للطائيّ تعصبا شديدا، ويفضل البحتريّ على أبي تمام ويغلو فيه غاية الغلو.

فمن نوادره الشائعة أنه انحدر مع الرضيّ والمرتضى وابن أبي الريان الوزير وجماعة من الأكابر لاستقبال بعض الملوك، فخرجوا عليهم اللصوص ورموهم بالحذّافات، وجعلوا يقولون: ألا حلوا يا أزواج القحاب؛ فقال البتي: ما خرج هؤلاء علينا إلا بعين، قالوا: ومن أين علمت؟ قال: وإلا فمن أين علموا أنا أزواج قحاب؟!.

وكان البتي صاحب الخبر والبريد في الديوان القادري ومات في شعبان سنة ثلاث وأربعمائة؛ وله تصانيف منها: كتاب القادري. وكتاب العميدي. كتاب الفخري.

قال الوزير أبو القاسم المغربي: كان أبو الحسن البتي أحد المتفننين في العلوم لا يكاد يجارى في فنّ من فنون العلوم فيعجز عنه، وكان مليح المحاضرة كثير المذاكرة طيّب النادرة مقبول المشاهدة، رأيته على باب أحد رؤساء العمال وقد حجب عنه فكتب اليه:

على أي باب أطلب الإذن بعدماحجبت عن الباب الذي أنا حاجبه
للشاعر أبو الحسن أحمد بن علي البتِّيُّ، اقرأ القصيدة

فخرج الاذن له في الحال.

وحدث الرئيس أبو الحسين هلال بن المحسن قال: كنت مع فخر الملك أبي غالب ابن خلف بالأهواز فكتب الى أبي ياسر عمار بن أحمد الصيرفي: احمل إلى أبي الحسن البتي مائتي دينار مع امرأة لا يعرفها، واكتب معها رقعة غير مترجمة، وقل فيها: قد دعاني ما آثرته من مخالطتك، ورغبت فيه من مودتك، الى استدعاء المواصلة منك، وافتتاح باب الملاطفة بيني وبينك، وقد أنفذت مع الرسول مائتي دينار. فأخذها أبو الحسن وكتب على ظهر الرقعة: مال لا أعرف مهديه فأشكر له ما يوليه، إلا أنه صادف إضاقة دعت إلى أخذه والاستعانة في بعض الأمور به، وقلت:

ولم أدر من ألقى عليه رداءهسوى أنه قد سلّ عن ماجد محض
للشاعر أبو الحسن أحمد بن علي البتِّيُّ، اقرأ القصيدة

وإذا سهّل الله لي اتساعا رددت العوض موفورا، وكان المبتدىء بالبر مشكورا.

وكان أبو الحسن قد فطن للقصة، وكتب ما كتب على بصيرة. ولما أنفذ أبو ياسر بالجواب أقرأنيه فخر الملك، فاستحسنت وقوع هذا البيت موقعه من التمثل.

ومن شعر الرضيّ الموسوي إليه الأبيات المشهورة:

أبا حسن أتحسب أن شوقييقلّ على مكاثرة الخطوب
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أبا حسن أتحسب أن شوقي»
يهشّ لكم على العرفان قلبيهشاشته إلى الزّور الغريب
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أبا حسن أتحسب أن شوقي»
وألفظ غيركم ويسوغ عنديودادكم مع الماء الشروب
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أبا حسن أتحسب أن شوقي»

ورثاه الرضيّ الموسوي بقوله:

ما للهموم كأنهانار على قلبي تشبّ
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما للهموم كأنها»
والدمع لا يرقا لهغرب كأن العين غرب
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما للهموم كأنها»
ما كنت أحسب أننيجلد على الأرزاء صعب
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما للهموم كأنها»
ما أخطأتك النائبات إذا أصابت من تحبّ
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما للهموم كأنها»

ورثاه المرتضى أخو الرضي بقوله:

عرّج على الدار مغبرّا جوانبهافاسأل بها عجلا عن ساكن الدار
للشاعر الشريف المرتضى، من قصيدة «ما لي تطيح الدهر أخياري»
وقل لها أين ما كنّا نراه علىمرّ المدى بك من نقض وإمرار
للشاعر الشريف المرتضى، من قصيدة «ما لي تطيح الدهر أخياري»
وأين أوعية الآداب فاهقةتجري خلالك جري الجدول الجاري
للشاعر الشريف المرتضى، من قصيدة «ما لي تطيح الدهر أخياري»
يا أحمد بن عليّ والردى عرضيزور بالرغم منّا كلّ زوار
للشاعر الشريف المرتضى، من قصيدة «ما لي تطيح الدهر أخياري»
علقت منك بحبل غير منتكثعند الحفاظ وعود غير خوّار
للشاعر الشريف المرتضى، من قصيدة «ما لي تطيح الدهر أخياري»
وقد بلوتك في سخط وعند رضىوبين طيّ لأنباء وإظهار
للشاعر الشريف المرتضى، من قصيدة «ما لي تطيح الدهر أخياري»
فلم تفدني إلا ما أضنّ بهولم تزدني إلا طيب أخبار
للشاعر الشريف المرتضى، من قصيدة «ما لي تطيح الدهر أخياري»
لا عار فيما شربت اليوم غصّتهمن المنون وهل بالموت من عار
للشاعر الشريف المرتضى، من قصيدة «ما لي تطيح الدهر أخياري»
ولم ينلك سوى ما نال كلّ فتىعالي المكان ولاقى كلّ جبار
للشاعر الشريف المرتضى، من قصيدة «ما لي تطيح الدهر أخياري»

وأمر بهاء الدولة أبا الحسن البتي أن يعمل شعرا يكتب على تكة إبريسم فقال:

لم لا أتيه ومضجعيبين الروادف والخصور
للشاعر أبو الحسن أحمد بن علي البتِّيُّ، اقرأ القصيدة
وإذا قسمت فإننيبين الترائب والنحور
ولقد نشأت صغيرةبأكفّ ربّات الخدور
للشاعر أبو الحسن أحمد بن علي البتِّيُّ، اقرأ القصيدة

وله يصف كوز الفقاع:

يا ربّ ثدي مصصته بكراوقد عراني خمار مغبوق
للشاعر أبو الحسن أحمد بن علي البتِّيُّ، اقرأ القصيدة
له هدير إذا شربت بهمثل هدير الفحول في النوق
للشاعر أبو الحسن أحمد بن علي البتِّيُّ، اقرأ القصيدة
كأن ترجيعه إذا رشفالراشف فيه صياح مخنوق
للشاعر أبو الحسن أحمد بن علي البتِّيُّ، اقرأ القصيدة

وله أيضا:

ما احمرت العين من دمع أضرّ بهافي عرصتي طلل أو إثر مرتحل
للشاعر أبو الحسن أحمد بن علي البتِّيُّ، اقرأ القصيدة
لكن رآها الذي يهوى وقد نظرتفي وجه آخر فاحمرّت من الخجل

قال ابن عبد الرحيم: وكان القادر بالله استتر عنده لما طلبه الطائع قبل انحداره، وأخذ يده أن يستلينه، فلما ولي وقضي الأمر صرف ابن حاجب النعمان ورتبه في كتابته، واتفق أن كان ذلك في وقت الأضحى، فخرج إليه خادم على العادة في مثل ذلك فقال له: رسم أن تحصى أسقاط الأضاحي، فقال لغلامه: خذ الدواة فإنّ القوم يريدون كيرعانيا ولا يريدون كاتبا، وانصرف بهذا المزح من الخدمة، وكان الهزل قد غلب عليه وعزب عنه الجدّ جملة.

وكان بينه وبين الرضيّ مقارضة لكلام جرى بينهما، فاتفق أن اجتاز بقرب دار الرضيّ عند مسجد الأنباري، فقال لغلامه: مل بنا عن تلك الدار فإني أكره المرور بها، فالتفت فوقعت عينه على الرضي، فتمم كلامه من غير أن يقطعه وقال: فإنني لا وجه لي في لقائه لطول جفائه، فاستحسن هذا من بديهته، ودخل دار الرضيّ واصطلحا.

ومن نوادره أنه سمع يوما أصوات الملاحين وارتفاع ضجة فقال: ما هذا؟

فقالوا: هؤلاء أولاد أبي الفضل ابن حاجب النعمان وأبي سعيد ابن أبي الخطاب وجماعة أولادهم، فقال: ما بيننا وبين هؤلاء إلا موت الآباء؟

ورأى معلما قبيح الوجه يعرف بنفّاط الجن، وكان وحشا انكشفت سوءته، فقال له: يا هذا استر عورتك السفلى، فإنك قد أدليت ولكن بغير حجّة.

واستقبل أبا عبد الله ابن الدرّاع في ميدان بستان فخر الدولة، وهو متكىء على يد غلام أسود، فقال أبو عبد الله: هذا الأسود يصلح لخدمة سيدنا، فقال البتي:

أي الخدم؟ فقال: خدمة الفراش، فقال: اللهم غفرا أرمى بالبغاء وليس في منزلي خنفساء ويعرى منه سيدنا وفي داره جميع بني حام؟!

بشر ابن الحواري بمولود، وكان ابن الحواري سمج الخلقة، فقال له البتي:

إن كان هذا المولود يشبهك فويه ثم ويه.

وسقاه الفقاعي في دار فخر الدولة فقاعا فلم يستطبه، فردّ الكوز مفكرا، فقال له الفقاعي: في أيّ شيء تفكر؟ فقال: في دقة صنعتك، كيف أمكنك أن تخرى في هذه الكيزان كلّها مع ضيق رأسها.

واتاه غلامه في مجلس حفل فقال له: ان ابنك وقع من ثلاث درج، فقال:

ويلك من ثلاث بقين أو خلون؟ فلم يفهم عنه، فقال: إن كان خلون فسهل وان بقين فيحتاج إلى نائحة.

ودخل الرقي العلويّ على فخر الملك فقال: أطال الله بقاء مولانا وأسعده بهذا اليوم، فقال له: وأيّ يوم هذا؟ فقال: أيلون، فقال البتي، بالنون؟ فقال: ما قرأت النحو، فقال البتي: أنت إذا معذور فإنك ثلاثة أرباع رقيع (أراد رقيّ إذا ألحقت به العين وهو الحرف الرابع صار رقيع).

قال ابن عبد الرحيم: وكان بين البتي وبين أبي القاسم ابن فهد ملاحاة ومنابذة ثم أصلح فخر الملك بينهما، فعمل فيه أبياتا يقول فيها:

قلت للبتيّ لمارام صلحي من بعيد

وكان يرمى بالبخر ويزنّ بالأبنة أيضا.

وقال فيه أيضا:

وكلّ شرط للصلح أقبلهإن أنت أعفيتني من القبل
للشاعر أبو الحسن أحمد بن علي البتِّيُّ، اقرأ القصيدة

وحدث ابن عبد الرحيم قال: وكان البتي مقبولا مستملحا في جميع أحواله ولم يكن فيه أقلّ من شعره، فإنه كان في غاية البرد وعدم الطبع، وكان قد عمل في فخر الملك وهو يسدّ بثق النهروان قصيدة يصف فيها السّكر قال فيها:

إذا أتاه الماء من جانبعاجله بالسدّ من جانب

فقال له: هذا والله أيها الاستاذ بارد، وأعاده فحكى البيت وتأمله، وقال: نعم والله هو بارد، وجعل يعوج على نفسه ويكرر الانشاد مستبردا له، فضحك فخر الملك منه وقطع الإنشاد ولم يتممه.

قال: ولم يكن يسلم أحد من لسانه وتعويجه وثلبه له، وإذا اتفق أن يسمعه من يقول ذلك فيه التفت إليه كالمعتذر وقال: مولاي هاهنا؟ ما علمت بحضوره، ويجعل كونه ما علم بحضوره اعتذارا كأنه مباح له ثلبه بالغيبة.

قال: وكان مع ذكائه وتوقده وكثرة طنزه وتولّعه أشدّ الناس غباوة في الأمور الجديات وأبعدهم من تصورها، وكان له معرفة تامة بالغناء وصنعته، ولا تكاد المغنية تغنّي بصوت إلا ذكر صنعته وشاعره وجميع ما قيل في معناه.

وله من قصيدة في ابن صالحان:

سل الربع بالخبتين كيف معاهدهوأنّى برجع القول منه هوامده
عفت حقبا بعد الأنيس رسومهفلم يبق إلا نؤيه وخوالده
ديار نزفت الدمع في عرصاتهاتؤاما إلى أن أقرح الجفن فارده
أرقت دما بعد الدموع نزحتهمن القلب حتى غيّضته شوارده
سأستعتب الدهر الخؤون بسيّديردّ جماح الدهر إذ هو قائده
سواء عليه طارف المال في الندىإذا ما انتحاه السائلون وتالده

وله فيه:

قرم إذا اعتذرت نوافل برّهلم يلف دافع حقّها بمعاذر
من معشر ورثوا المكارم والعلاوتقسّموها كابرا عن كابر
قوم يقوم حديثهم بقديمهمويسير أولهم بمجد الآخر

وكان أبو إسحاق الصابيء قد عمل لأبي بشر ابن طازاد نسخة كتاب أراد إنشاءه ونحله اياه، فكتب إليه أبو الحسن البتي يعرّض بذلك:

زكاة العلوم زكاة الندىوعرف المعارف بذل الحجى
ولكن يجرّ به أهلهفأجر بنيلك فضل التقى
لئن كنت أوجبته قربةلما وقع الموقع المرتضى
وما صدقاتك مقبولةإذا ما تنكبت فيها الهدى

قد عرفت- أطال الله بقاء سيدي- العارية والمستعير وكيف جرى الأمر في ذلك، وما ظننت أن هذا يجري مجرى الماعون الذي لا يحسن منعه ولا يقع المعرض موقعه بل يسلّ لوقته عن لابسه.

-

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.