تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب أبو بكر البغدادي

: الفقيه الحافظ أحد الأئمة المشهورين المصنفين المكثرين، والحفاظ المبرزين، ومن ختم به ديوان المحدّثين. سمع ببغداد شيوخ وقته، وبالبصرة وبالدينور وبالكوفة، ورحل إلى نيسابور في سنة خمس عشرة وأربعمائة وقدم دمشق سنة خمس وأربعين وأربعمائة حاجّا فسمع بها، ثم قدمها بعد فتنة البساسيري لاضطراب الأحوال ببغداد، فآذاه الحنابلة بجامع المنصور سنة إحدى وخمسين فسكنها مدة وحدث بها بعامّة كتبه ومصنفاته إلى صفر سنة سبع وخمسين، فقصد صور فأقام بها، وكان يتردد إلى القدس للزيارة ثم يعود إلى صور، إلى أن خرج من صور في سنة اثنتين وستين وأربعمائة وتوجه إلى طرابلس وحلب، فأقام في كل واحدة من البلدتين أياما قلائل، ثم عاد إلى بغداد في أعقاب سنة اثنتين وستين وأقام بها سنة إلى أن توفي وحينئذ روى «تاريخ بغداد». وروى عنه من شيوخه أبو بكر البرقاني والأزهري وغيرهما.

وقال غيث بن علي الصوري: سألت أبا بكر الخطيب عن مولده فقال:

ولدت يوم الخميس لست بقين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة.

وكان الخطيب يذكر انه لما حجّ شرب من ماء زمزم ثلاث شربات، وسأل الله ﷿ ثلاث حاجات، أخذ بقول النبي ﷺ ماء زمزم لما شرب له، فالحاجة الأولى أن يحدّث بتاريخ بغداد ببغداد، والثانية أن يملي الحديث بجامع المنصور، والثالثة أن يدفن إذا مات عند قبر بشر الحافي. فلما عاد إلى بغداد حدّث بالتاريخ بها، ووقع إليه جزء فيه سماع الخليفة القائم بأمر الله، فحمل الجزء ومضى إلى باب حجرة الخليفة وسأل أن يؤذن له في قراءة الجزء فقال الخليفة: هذا رجل كبير في الحديث فليس له إلى السماع مني حاجة، ولعل له حاجة أراد أن يتوصّل إليها بذلك، فسلوه ما حاجته، فسئل فقال: حاجتي أن يؤذن لي أن أملي بجامع المنصور، فتقدم الخليفة إلى نقيب النقباء بأن يؤذن له في ذلك، فحضر النقيب وأملى. ولما مات أرادوا دفنه عند قبر بشر بوصيّة منه، قال ابن عساكر: فذكر شيخنا إسماعيل بن أبي سعد الصوفي- وكان الموضع الذي بجنب بشر قد حفر فيه أبو بكر أحمد بن علي الطّريثيثي قبرا لنفسه وكان يمضي إلى ذلك الموضع فيختم فيه القرآن ويدعو، ومضى على ذلك عدة سنين- فلما مات الخطيب سألوه أن يدفنوه فيه فامتنع فقال: هذا قبري قد حفرته وختمت فيه عدة ختمات، ولا أمكن أحدا من الدفن فيه، وهذا مما لا يتصور. فانتهى الخبر إلى والدي فقال له: يا شيخ لو كان بشر في الأحياء ودخلت أنت والخطيب إليه أيكما كان يقعد إلى جنبه أنت أو الخطيب؟ فقال: لا بل الخطيب، فقال له: كذا ينبغي أن يكون في حالة الموت، فإنه أحقّ به منك، فطاب قلبه ورضي بأن يدفن الخطيب في ذلك الموضع فدفن فيه. وقيل إنه كان يذهب إلى مذهب أبي الحسن الأشعري.

عن أبي الفرج الاسفرايني، كان الشيخ أبو بكر الخطيب معنا في طريق مكة، فكان يختم كل يوم ختمة إلى قرب الغياب، قراءة ترتيل، ثم يجتمع عليه الناس وهو راكب يقولون حدثنا فيحدثهم.

وقال المؤتمن الساجي: ما أخرجت بغداد بعد الدارقطني أحفظ من الخطيب.

وذكر في «المنتظم» ان الخطيب لقي في مكة أبا عبد الله ابن سلامة القضاعي فسمع منه بها، وقرأ صحيح البخاري على كريمة بنت أحمد المروزي في خمسة أيام، ورجع إلى بغداد فقرب من رئيس الرؤساء أبي القاسم ابن المسلمة وزير القائم بأمر الله تعالى. وكان قد أظهر بعض اليهود كتابا وادّعى أنه كتاب رسول الله ﷺ باسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادات الصحابة، وأنه خطّ عليّ بن أبي طالب ﵁، فعرضه رئيس الرؤساء على أبي بكر الخطيب فقال: هذا مزوّر، فقيل له: من أين لك ذلك؟ قال: في الكتاب شهادة معاوية بن أبي سفيان، ومعاوية أسلم يوم الفتح وخيبر كانت في سنة سبع، وفيه شهادة سعد بن معاذ وكان قد مات يوم الخندق في سنة خمس، فاستحسن ذلك منه.

وذكر محمد بن عبد الملك الهمذاني أن رئيس الرؤساء تقدّم إلى القصّاص والوعّاظ أن لا يورد أحد حديثا عن رسول الله ﷺ حتى يعرضه على أبي بكر الخطيب، فما أمرهم بايراده أوردوه، وما منعهم منه ألغوه.

ومن «المنتظم» قال: ولما جاءت نوبة البساسيري استتر الخطيب وخرج من بغداد إلى الشام وأقام بدمشق، ثم خرج إلى صور ثم إلى طرابلس وإلى حلب ثم عاد إلى بغداد في سنة اثنتين وستين فأقام بها سنة ثم مات. قال: وله ستة وخمسون مصنفا بعيدة المثل منها كتاب تاريخ بغداد. كتاب شرف أصحاب الحديث. كتاب الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع. كتاب الكفاية في معرفة علم الرواية. كتاب المتفق

والمفترق. كتاب السابق واللاحق. كتاب تلخيص المتشابه في الرسم. كتاب في التلخيص. كتاب الفصل والوصل. كتاب المكمل في بيان المهمل. كتاب الفقيه والمتفقه. كتاب الدلائل والشواهد على صحة العمل باليمين مع الشاهد. كتاب غنية المقتبس في تمييز الملتبس. كتاب الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة. كتاب الموضح وهو أوهام الجمع والتفريق. كتاب المؤتنف تكملة المختلف والمؤتلف.

كتاب نهج الصواب في أن التسمية من فاتحة الكتاب. كتاب الجهر بالبسملة. كتاب الخيل. كتاب رافع الارتياب في القلوب من الأسماء والالقاب. كتاب القنوت.

كتاب التبيين لأسماء المدلّسين. كتاب تمييز المزيد في متصل الأسانيد. كتاب من وافق كنيته اسم أبيه. كتاب من حدّث فنسي. كتاب رواية الآباء عن الابناء. كتاب الرحلة في طلب الحديث. كتاب الرواة عن مالك بن أنس. كتاب الاحتجاج للشافعي فيما أسند إليه والردّ على الجاهلين بطعنهم عليه. كتاب التفصيل لمبهم المراسيل.

كتاب اقتضاء العلم العمل. كتاب تقييد العلم. كتاب القول في علم النجوم. كتاب روايات الصحابة عن التابعين. كتاب صلاة التسبيح. كتاب مسند نعيم بن همار جزء. كتاب النهي عن صوم يوم الشك. كتاب الاجازة للمعلوم والمجهول. كتاب روايات السنة من التابعين. كتاب البخلاء. كتاب الطفيليين. كتاب الدلائل والشواهد. كتاب التنبيه والتوقيف على فضائل الخريف.

قال ابن الجوزي: فهذا الذي ظهر لنا من تصانيفه، ومن نظر فيها عرف قدر الرجل وما هيّء له مما لم يهيأ لمن كان أحفظ منه كالدارقطني وغيره.

وحدث أبو سعد السمعاني، قرأت بخطّ والدي، سمعت أبا الحسين ابن الطيوري ببغداد يقول: أكثر كتب الخطيب سوى التاريخ مستفاد من كتب الصوريّ، كان الصوري بدأ بها ولم يتمها، وكانت للصوريّ أخت بصور، مات

وخلّف عندها اثني عشر عدلا محزوما من الكتب، فلما خرج الخطيب إلى الشام حصّل من كتبه ما صنف منها كتبه. قال: وكان سبب وفاة الصوري أنه افتصد، وكان الطبيب الذي فصده قد أعطي مبضعا مسموما ليفصد به غيره، فغلط ففصده فقتله. قال ابن الجوزي عند سماع هذه الحكاية: وقد يضع الانسان طريقا فتسلك، وما قصّر الخطيب على كلّ حال. وكان حريصا على علم الحديث، كان يمشي في الطريق وفي يده جزء يطالعه، وكان حسن القراءة فصيح اللهجة عارفا بالأدب، يقول الشعر الحسن. قال ابن الجوزي: ونقلت من خطه من شعره قوله:

لعمرك ما شجاني رسم داروقفت بها ولا ذكر المغاني
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «لعمرك ما شجاني رسم دار»
ولا أثر الخيام أراق دمعيلأجل تذكري عهد الغواني
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «لعمرك ما شجاني رسم دار»
ولا ملك الهوى يرما قياديولا عاصيته فثنى عناني
رأيت فعاله بذوي التصابيوما يلقون من ذلّ الهوان
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «لعمرك ما شجاني رسم دار»
فلم أطمعه فيّ وكم قتيلله في الناس لا يحصى وعان
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «لعمرك ما شجاني رسم دار»
طلبت أخا صحيح الودّ محضاسليم الغيب مأمون اللسان
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «لعمرك ما شجاني رسم دار»
فلم أعرف من الإخوان إلانفاقا في التباعد والتداني
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «لعمرك ما شجاني رسم دار»
وعالم دهرنا لا خير فيهترى صورا تروق بلا معاني
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «لعمرك ما شجاني رسم دار»
ووصف جميعهم هذا فما إنأقول سوى فلان أو فلان
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «لعمرك ما شجاني رسم دار»
ولما لم أجد حرّا يؤاتيعلى ما ناب من صرف الزمان
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «لعمرك ما شجاني رسم دار»
صبرت تكرما لفراغ دهريولم أجزع لما منه دهاني
ولم أك في الشدائد مستكيناأقول لها ألا كفّي كفاني
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «لعمرك ما شجاني رسم دار»
ولكني صليب العود عودربيط الجأش مجتمع الجنان
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «لعمرك ما شجاني رسم دار»
أبيّ النفس لا أختار رزقايجيء بغير سيفي أو سناني
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «لعمرك ما شجاني رسم دار»
لعزّ في لظى باغيه يشوىألذّ من المذلة في الجنان
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «لعمرك ما شجاني رسم دار»
ومن طلب المعالي وابتغاهاأدار لها رحى الحرب العوان
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «لعمرك ما شجاني رسم دار»

ومن شعره أيضا:

لا تغبطنّ أخا الدنيا لزخرفهاولا للذة وقت عجّلت فرحا
فالدهر أسرع شيء في تقلّبهوفعله بيّن للخلق قد وضحا
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «لا تغبطن أخا الدنيا بزخرفها»
كم شارب عسلا فيه منيّتهوكم تقلّد سيفا من به ذبحا
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «لا تغبطن أخا الدنيا بزخرفها»

قال أبو الفرج ابن الجوزي: وكان الخطيب قديما على مذهب أحمد بن حنبل، فمال عليه أصحابنا لما رأوا من ميله إلى المبتدعة وآذوه، فانتقل إلى مذهب الشافعي وتعصّب في تصانيفه عليهم، فرمز إلى ذمّهم وصرّح بقدر ما أمكنه، فقال في ترجمة أحمد بن حنبل: سيّد المحدّثين، وفي ترجمة الشافعي تاج الفقهاء فلم يذكر أحمد بالفقه. وقال في ترجمة حسين الكرابيسي انه قال عن أحمد: أيش نعمل بهذا الصبي، إن قلنا لفظنا بالقرآن مخلوق قال بدعة، وان قلنا غير مخلوق قال بدعة، ثم التفت إلى أصحاب أحمد فقدح فيهم بما أمكن. وله دسائس في ذمهم عجيبة، وذكر شيئا مما زعم أبو الفرج أنه قدح في الحنابلة وتأول له، ثم قال: أنبأنا أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي عن أبيه قال سمعت إسماعيل بن أبي الفضل القومسي، وكان من أهل المعرفة بالحديث يقول: ثلاثة من الحفاظ لا أحبّهم لشدة تعصبهم وقلة إنصافهم: الحاكم أبو عبد الله، وأبو نعيم الأصبهاني، وأبو بكر الخطيب. قال أبو الفرج: وصدق إسماعيل، وكان من أهل المعرفة فإن الحاكم كان متشيعا ظاهر التشيّع، والآخران كانا يتعصبان للمتكلمين والأشاعرة. قال: وما يليق هذا بأصحاب الحديث، لأن الحديث جاء في ذمّ الكلام، وقد أكدّ الشافعيّ في هذا حتى قال: رأيي في أصحاب الكلام أن يحملوا على البغال ويطاف بهم. قال:

وكان للخطيب شيء من المال، فكتب إلى القائم بأمر الله، إني إذا متّ كان مالي لبيت المال، وأنا استأذن أن أفرّقه على من شئت، فأذن له ففرقه على أصحاب الحديث، وكان مائتي دينار، ووقف كتبه على المسلمين وسلّمها إلى أبي الفضل ابن خيرون فكان يعزها، ثم صارت إلى ابنه الفضل فاحترقت في داره. ووصّى الخطيب أن يتصدق بجميع ما عليه من الثياب.

قال ابن طاهر: سألت أبا القاسم هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي قلت: هل كان أبو بكر الخطيب كتصانيفه في الحفظ؟ فقال: لا، كنا إذا سألناه عن شيء أجابنا بعد أيام، وإن ألححنا عليه غضب، وكانت له بادرة وحشة، وأما تصانيفه فمصنوعة مهذّبة، ولم يكن حفظه على قدر تصانيفه.

وذكر أبو سعد السمعاني في ترجمة عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد القزاز قال: سمع جميع كتاب تاريخ مدينة السلام من مصنفه أبي بكر الخطيب الحافظ إلا الجزء السادس والثلاثين فإنه قال: توفيت والدتي واشتغلت بدفنها والصلاة عليها، ففاتني هذا الجزء وما أعيد لي، لأن الخطيب كان قد شرط في الابتداء أن لا يعاد الفوت لأحد، فبقي الجزء غير مسموع.

قال السمعاني: لما رجعت إلى خراسان حصل لي تاريخ الخطيب بخطّ شجاع بن فارس الذهلي الأصل الذي كتبه بخطّه لأبي غالب محمد بن عبد الواحد القزاز، وعلى وجه كلّ واحد من الأجزاء مكتوب سماع لأبي غالب ولابنه أبي منصور عبد الرحمن ولأخيه عبد المحسن، الا هذا الجزء السادس والثلاثين [والجزء ...]

فإنه كتب على وجهيهما إجازة لأبي غالب وابنه أبي منصور، وشجاع أعرف الناس فيكون قد فاته الجزءان المذكوران لا جزء واحد.

ونقلت من خط أبي سعد السمعاني ومنتخبه لمعجم شيوخ عبد العزيز بن محمد النخشبي قال: ومنهم أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب، يخطب في بعض قرى بغداد، حافظ فهم، ولكنه كان يتّهم بشرب الخمر، كنت كلما لقيته بدأني

بالسلام، فلقيته في بعض الأيام فلم يسلّم علي، ولقيته شبه المتغير، فلما جاز عنّي لحقني بعض أصحابنا وقال لي: لقيت أبا بكر الخطيب سكران، فقلت له: قد لقيته متغيرا واستنكرت حاله ولم أعلم أنه سكران، ولعله قد تاب إن شاء الله. قال السمعاني: ولم يذكر عن الخطيب ﵀ هذا إلا النخشبي مع أني لحقت جماعة كثيرة من أصحابه.

وقال في «المذيل» والخطيب ﵀ في درجة القدماء من الحفاظ والأئمة الكبار، كيحيى بن معين وعلي بن المديني وأحمد بن أبي خيثمة وطبقتهم، وكان علّامة العصر، اكتسى به هذا الشأن غضارة وبهجة ونضارة، وكان مهيبا وقورا نبيلا خطيرا ثقة صدوقا متحريا، حجة فيما يصنفه ويقوله وينقله ويجمعه، حسن النقل والخط، كثير الشكل والضبط، قارئا للحديث فصيحا، وكان في درجة الكمال والرتبة العليا خلقا وخلقا وهيئة ومنظرا، انتهى إليه معرفة علم الحديث وحفظه، وختم به الحفاظ ﵀. بدأ سماع الحديث سنة ثلاث وأربعمائة وقد بلغ احدى عشرة سنة من عمره. قال: وسمعت بعض مشايخي يقول: دخل بعض الأكابر جامع دمشق أو صور ورأى حلقة عظيمة للخطيب، والمجلس غاصّ، يسمعون منه الحديث، فقعد إلى جانبه وكأنه استكثر الجمع، فقال له الخطيب: القعود في جامع المنصور مع نفر يسير أحبّ إلي من هذا.

قال: وسمعت أبا الفتح مسعود بن محمد بن أحمد أبي نصر الخطيب بمرو يقول، سمعت أبا عمر النسوي يعرف [بابن] ليلى يقول: كنت في جامع صور عند الخطيب، فدخل عليه بعض العلوية وفي كمه دنانير وقال للخطيب: فلان، وذكر بعض المحتشمين من أهل صور، يسلّم عليك ويقول: هذا تصرفه في بعض مهماتك، فقال الخطيب: لا حاجة لي فيه، وقطّب وجهه، فقال العلوي: فتصرفه إلى بعض أصحابك، قال قل له: يصرفه إلى من يريد، فقال العلوي: كأنك تستقلّه ونفض كمه على سجادة الخطيب وطرح الدنانير عليها وقال: هذه ثلاثمائة دينار، فقام الخطيب محمر الوجه وأخذ السجادة ونفض الدنانير على الأرض وخرج من المسجد.

قال الفضل ابن ليلى: ما أنسى عزّ خروج الخطيب وذلّ ذلك العلوي وهو قاعد على الأرض يلتقط الدنانير من شقوق الحصر ويجمعها.

وحدث باسناد رفعه إلى الخطيب قال: حدثت ولي عشرون سنة، حين قدمت من البصرة كتب عني شيخنا أبو القاسم الأزهري أشياء أدخلها في تصانيفه وسألني فقرأتها عليه وذلك في سنة اثنتي عشرة وأربعمائة. وحدث قال: ذكر أبو الفضل ناصر السلامي قال: كان أبو بكر الخطيب من ذوي المروءات، حدثني أبو زكريا يحيى بن علي الخطيب اللغوي قال: لما دخلت دمشق في سنة ست وخمسين كان بها إذا ذاك الامام أبو بكر الحافظ، وكانت له حلقة كبيرة يجتمعون في بكرة كلّ يوم فيقرأ لهم، وكنت أقرأ عليه الكتب الأدبية المسموعة له، فكان إذا مر في كتابه شيء يحتاج إلى إصلاح يصلحه ويقول: أنت تريد مني الرواية وأنا أريد منك الدراية، وكنت أسكن منارة الجامع، فصعد إليّ يوما وسط النهار وقال: أحببت أن أزورك في بيتك، وقعد عندي وتحدثنا ساعة، ثم أخرج قرطاسا فيه شيء وقال لي: الهدية مستحبّة وأسألك أن تشتري به الاقلام، ونهض ففتحت القرطاس بعد خروجه فإذا فيه خمسة دنانير صحاح مصرية، ثم إنه مرة ثانية صعد وحمل إليّ ذهبا وقال لي: تشتري به كاغدا، وكان نحوا من الأول أو أكثر، قال: وكان إذا قرأ الحديث في جامع دمشق يسمع صوته في آخر الجامع، وكان يقرأ معربا صحيحا.

وقال أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي الحافظ الاصبهاني يمدح مؤلفات الخطيب:

تصانيف ابن ثابت الخطيبألذّ من الصبا الغضّ الرطيب
يراها إذ حواها من رواهارياضا تركها رأس الذنوب
ويأخذ حسن ما قد صاغ منهابقلب الحافظ الفطن الأريب
فأيّة راحة ونعيم عيشيوازي كتبه أم أيّ طيب

وحدث محمد بن طاهر المقدسي، سمعت أبا القاسم مكي بن عبد السلام الرميلي يقول: كان سبب خروج أبي بكر الخطيب من دمشق إلى صور أنه كان يختلف إليه صبيّ صبيح الوجه- وقد سمّاه مكي أنا نكّبت عن ذكره- فتكلّم الناس في ذلك، وكان أمير البلدة رافضيا متعصبا، فبلغته القصة، فجعل ذلك سببا للفتك به، فأمر صاحب شرطته أن يأخذه بالليل ويقتله، وكان صاحب الشرطة من أهل السنة، فقصده صاحب الشرطة تلك الليلة مع جماعة من أصابه ولم يمكنه أن يخالف الأمير، فأخذه وقال له: قد أمرت بكذا وكذا، ولا أجد لك حيلة، إلا أني أعبر بك على دار الشريف ابن أبي الحسن العلوي، فإذا حاذيت الباب فادخل الدار، فإني أرجع إلى الأمير وأخبره بالقصة، ففعل ذلك ودخل دار الشريف، وذهب صاحب الشرطة إلى الأمير وأخبره الخبر، فبعث الأمير إلى الشريف أن يبعث به، فقال الشريف: أيها الأمير أنت تعرف اعتقادي فيه وفي أمثاله، ولكن ليس في قتله مصلحة، هذا رجل مشهور بالعراق وإن قتلته قتل به جماعة من الشيعة بالعراق وخرّبت المشاهد، قال:

فما ترى؟ قال: أرى ان يخرج من بلدك، فأمر باخراجه فخرج إلى صور وبقي بها مدة إلى أن رجع إلى بغداد فأقام بها إلى أن مات.

ومن شعر الخطيب أيضا:

قد شاب رأسي وقلبي ما يغيّرهكرّ الدهور عن الإسهاب في الغزل
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «قد شاب رأسي وقلبي ما يغيره»
وكم زمانا طويلا ظلت أعذلهفقال قولا صحيحا صادق المثل
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «قد شاب رأسي وقلبي ما يغيره»
حكم الهوى يترك الألباب حائرةويورث الصبّ طول السقم والعلل
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «قد شاب رأسي وقلبي ما يغيره»
وحبّك الشيء يعمي عن مقابحهويمنع الأذن أن تصغي إلى العذل
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «قد شاب رأسي وقلبي ما يغيره»
لا أسمع العذل في ترك الصبا أبداجهدي فما ذاك من همي ولا شغلي
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «قد شاب رأسي وقلبي ما يغيره»
من ادّعى الحبّ لم تظهر دلائلهفحبّه كذب قول بلا عمل
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «قد شاب رأسي وقلبي ما يغيره»

وله أيضا:

تغيّب الخلق عن عيني سوى قمرحسبي من الخلق طرا ذلك القمر
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «تغيب الخلق عن عيني سوى قمر»
محلّه في فؤادي قد تملّكهوحاز روحي وما لي عنه مصطبر
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «تغيب الخلق عن عيني سوى قمر»
فالشمس أقرب منه في تناولهاوغاية الحظّ منها للورى النظر
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «تغيب الخلق عن عيني سوى قمر»
أردت تقبيله يوما مخالسةفصار من خاطري في خدّه أثر
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «تغيب الخلق عن عيني سوى قمر»
وكم حليم رآه ظنّه ملكاوراجع الفكر فيه أنه بشر
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «تغيب الخلق عن عيني سوى قمر»

قال عبد الخالق بن يوسف: أنشدني من لفظه الشيخ أبو العز أحمد بن عبد الله بن كادش عن الخطيب، وقال: هي في أبي منصور ابن النقور:

الشمس تشبهه والبدر يحكيهوالدرّ يضحك والمرجان من فيه
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «الشمس تشبهه والبدر يحكيه»
ومن سرى وظلام الليل معتكرفوجهه عن ضياء البدر يغنيه
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «الشمس تشبهه والبدر يحكيه»
زوي له الحسن حتى حاز أحسنهلنفسه وبقي للخلق باقيه
فالعقل يعجز عن تحديد غايتهوالوهم يقصر عن فحوى معانيه
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «الشمس تشبهه والبدر يحكيه»
يدعو القلوب فتأتيه مسارعةمطيعة الأمر منه ليس تعصيه
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «الشمس تشبهه والبدر يحكيه»
سألته زورة يوما فأعجزنيوأظهر الغضب المقرون بالتيه
وقال لي دون ما تبغي وتطلبهتناول الفلك الأعلى وما فيه
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «الشمس تشبهه والبدر يحكيه»
رضيت يا معشر العشاق منه بأنأصبحت تعلم اني من محبيه
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «الشمس تشبهه والبدر يحكيه»
وأن يكون فؤادي في يديه لكييميته بالهوى منه ويحييه
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «الشمس تشبهه والبدر يحكيه»

وله أيضا:

بنفسي عاتب في كلّ حالوما لمحبه ذنب جناه
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «بنفسي عاتب في كل حال»
حفظت عهوده ورعيت منهذماما مثله لي ما رعاه
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «بنفسي عاتب في كل حال»
حرمت وصاله إن كنت يوماجرى لي خاطر بهوى سواه
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «بنفسي عاتب في كل حال»
ولو تلفي رضاه لهان عنديخروج الروح في طلبي رضاه

وله أيضا:

خمار الهوى يربي على نشوة الخمروذو الحزم فيه ليس يصحو من السكر
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «خمار الهوى يربي على نشوة الخمر»
وللحبّ في الأحشاء حرّ أقلّهوأبرده يوفي على لهب الجمر
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «خمار الهوى يربي على نشوة الخمر»
أخبركم يا أيها الناس أننيعليم بأحوال المحبين ذو خبر
سبيل الهوى سهل يسير سلوكهولكنه يفضي إلى مسلك وعر
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «خمار الهوى يربي على نشوة الخمر»
ويجمع أوصاف الهوى ونعوتهلحرفين سعد الوصل أو شقوة الهجر

وله أيضا:

إلى الله أشكو من زماني حوادثارمت بسهام البين في غرض الوصل
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «إلى الله أشكو من زماني حوادثاً»
أصابت بها قلبي ولم أقض منيتيولو قتلتني كان أجمل بالفعل
للشاعر أحمد بن علي الخطيب، من قصيدة «إلى الله أشكو من زماني حوادثاً»
متى تتمايل بين قتل وفرقةتجد فرقة الأحباب شرا من القتل

قال أبو بكر الخطيب: كتب معي أبو بكر البرقاني إلى أبي نعيم الأصبهاني الحافظ كتابا يقول في فصل منه: وقد نفذ إلى ما عندك عمدا متعمدا أخونا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت- أيده الله وسلمه- ليقتبس من علومك، ويستفيد من حديثك، وهو بحمد الله ممن له في هذا الشأن سابقة حسنة، وقدم ثابت، وفهم به حسن. وقد رحل فيه وفي طلبه وحصل له منه ما لم يحصل لكثير من أمثاله الطالبين له، وسيظهر لك منه عند الاجتماع من ذلك، مع التورّع والتحفظ وصحة التحصيل، ما يحسن لديك موقعه، ويجمل عندك منزلته. وأنا أرجو إذا صحت منه لديك هذه الصفة أن يلين له جانبك، وأن تتوفر له وتحتمل منه ما عساه يورده من تثقيل في الاستكثار، أو زيادة في الاصطبار، فقديما حمل السلف عن الخلف ما ربما ثقل، وتوفروا على المستحقّ منهم بالتخصيص والتقديم والتفضيل ما لم ينله الكلّ منهم.

وقال الرئيس أبو الخطاب ابن الجراح يمدح الخطيب:

فاق الخطيب الورى صدقا ومعرفةوأعجز الناس في تصنيفه الكتبا
حمى الشريعة من غاو يدنّسهابوضعه ونفى التدليس والكذبا
جلا محاسن بغداد فأودعهاتاريخه مخلصا لله محتسبا
وقام في الناس بالقسطاس منحرفاعن الهوى وأزال الشكّ والريبا
سقى ثراك أبا بكر على ظمأجون ركام يسحّ الواكف السربا
ونلت فوزا ورضوانا ومغفرةإذا تحقق وعد الله واقتربا
يا أحمد بن عليّ طبت مضطجعاوباء شانيك بالأوزار محتقبا

وقال ابو القاسم: حدثني أبو محمد ابن الاكفاني حدثني أبو القاسم مكي بن عبد السلام المقدسي قال: مرض الشيخ أبو بكر الخطيب ببغداد في نصف رمضان إلى ان اشتد به الحال غرّة ذي الحجة وأيسنا منه، وأوصى إلى أبي الفضل ابن خيرون، ووقف كتبه على يده، وفرّق جميع ما له في وجوه البر وعلى أهل العلم والحديث، وأخرجت جنازته من حجرد تلي المدرسة النظامية من نهر المعلى، وحمل جنازته أبو إسحاق الشيرازي وتبعه الفقهاء والخلق العظيم، وعبرت الجنازة على الجسر وحملت إلى جامع المنصور، وكان بين الجنازة جماعة ينادون: هذا الذي كان يذبّ عن رسول الله ﷺ، هذا الذي كان ينفي الكذب عن رسول الله، هذا الذي كان يحفظ حديث رسول الله. وعبرت الجنازة بالكرخ ومعها ذلك الخلق العظيم.

-

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.