من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
جعفر بن محمد بن حمدان الموصلي، أبو القاسم
الفقيه الشافعي: ذكره محمد بن إسحاق فقال: هو حسن التأليف، عجيب التصنيف، شاعر أديب، فاضل ناقد للشعر كثير الرواية، مات سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، ومولده سنة أربعين ومائتين، له عدة كتب في الفقه على مذهب الشافعي، فأما كتبه في الأدب فهي:
كتاب الباهر في أشعار المحدثين عارض به «الروضة» للمبرد. كتاب الشعر والشعراء لم يتمّ ولو تمّ لكان غاية في معناه. كتاب السرقات لم يتمّ أيضا، وهو كتاب جيد في معناه. كتاب محاسن أشعار المحدثين، لطيف.
قال أبو عبد الله الخالع: كان أبو القاسم جعفر بن محمد بن حمدان الموصلي ممن عمّر طويلا، وكانت بينه وبين البحتري مراسلة، ورثاه بعد وفاته، ومدح القاسم بن عبيد الله وأدرك أبا العباس النامي وتكاتبا بالشعر.
وقال أبو علي ابن الزمكدم: كان ابن حمدان كبير المحلّ من أهل الرياسات بالموصل، ولم يكن بها في وقته من ينظر إليه ويفضّل في العلوم سواه، متقدما في الفقه معروفا به، قويا في النحو فيما يكتبه، عارفا بالكلام والجدل مبرزا فيه، حافظا لكتب اللغة، راوية للأخبار، بصيرا بالنجوم، عالما مطلعا على علوم الأوائل عالي الطبقة فيها، وكان صديقا لكل من وزراء عصره مدّاحا لهم، آنسا بالمبرد وثعلب وأمثالهما من علماء الوقت مفضّلا عندهم. وكانت له ببلده دار علم قد جعل فيها خزانة كتب من جميع العلوم وقفا على كلّ طالب لعلم، لا يمنع أحد من دخولها إذا جاءها غريب يطلب الأدب، وإن كان معسرا أعطاه ورقا وورقا، تفتح في كلّ يوم ويجلس فيها إذا عاد من ركوبه، ويجتمع إليه الناس فيملي عليهم من شعره وشعر غيره ومصنفاته، مثل الباهر وغيره من مصنفاته الحسان، ثم يملي من حفظه من الحكايات المستطابة وشيئا من النوادر المؤلفة وطرفا من الفقه وما يتعلق به. وكان جماعة من أهل الموصل حسدوه على محلّه وجاهه عند الخلفاء والوزراء والعلماء، وكان قد جحد بعض أولاده وزعم أنه ليس منه، فعاندوه بسببه وزعموا أنه نفاه ظلما واجتهدوا أن يلحقوه به فما تمّ لهم، فاجتمعوا وكتبوا فيه محضرا وشهدوا عليه فيه بكلّ قبيح عظيم، ونفوه عن الموصل فانحدر هاربا منهم إلى مدينة السلام، ومدح المعتضد بقصيدة يشكو فيها ما ناله منهم، ويصف ما يحسنه من العلوم ويستشهد بثعلب والمبرد وغيرهما، أولها:
أجدّك ما ينفكّ طيفك ساريامع الليل مجتابا إلينا الفيافيا
يذكّرنا عهد الحمى وزماننابنعمان والأيام تعطي الأمانيا
ليالي مغنى آل ليلى على الحمىونعمان غاد بالأوانس غانيا
وعهد الصبا منهنّ فينان مورقظليل الضحى من حائط اللهو دانيا
قريب المدى نائي الجوى داني الهوىعلى ما يشاء المستهام مؤاتيا
حلفت بأخياف المخيّم من منىومن حلّ جمعا والرعان المتاليا
وبالركب يأتمّون بطحاء مكةعلى أركب تحكي الحنيّ حوافيا
طواهنّ طيّ البيد في غلس الدجىونشر الفيافي والفيافي كما هيا
ولو أنني أبثثت ما بي من الجوىشماريخ رضوى أو شمام رثى ليا
وإن أطو ما تطوي الجوانح من هوىعن الناس تخبرهم بحالي حاليا
أأدخل تحت الضيم والبيد والسرىوأيدي المطايا الناعجات عتاديا
سأخرج من جلباب كلّ ملمةخروج المعلّى والمنيح ورائيا
إذا أنا قابلت الإمام مناجياله بالذي من ريب دهري عنانيا
رميت بآمالي إلى الملك الذيأذلّت مساعيه الأسود الضواريا
وما هي إلا روحة وادّلاجةتنيل الأماني أو تقيم البواكيا
ولي في أمير المؤمنين مدائحملأت بها الآفاق حسن ثنائيا
وأمّت بي الآمال لا طالبا جدىولا شاكيا إنفاض حالي وماليا
ولكنني أشكو عدوّا مسلّطاعليّ عداني بغيه عن مجاليا
أيا ابن الولاة الوارثين محمداخلافته دون الموالي مواليا
إذا ما اعتزمت الأمر أبرمت فتلهولم تك عن إمضائك العزم وانيا
فلا تك للمظلوم ناداك في الدجىلغربته والدفع للظلم ناسيا
[وعش سالم الأيام للملك راعياودم عالي الأحوال تعلي المعاليا]
وهي مائة وخمسون بيتا، فيها بعد المدح ما يحسنه من العلوم الدينية والأدبية، ويتبجح بمعرفته أقليدس وأشكاله، وزيادات زادها في أعماله.
وله في صفة الليل:
ربّ ليل كالبحر هولا وكالدهر امتدادا وكالمداد سوادا
خضته والنجوم يوقدن حتىأطفأ الفجر ذلك الإيقادا
قال ابن عبد الرحيم: ونقلت من خط جعفر بن محمد الموصليّ من قصيدة في أبي سليمان داود بن حمدان:
أعيجي بنا قبل انبتات حبالكجمالك إن الشوق شوق جمالك
قفي وقفة تبلل عليك أوامهاجوانح لا تروى بغير نوالك
فقد طلعت شمس الندى بأوارهاعلى مستظلات بفيء ظلالك
ومنها:
بأبناء حمدان الذين كأنهممصابيح لاحت في ليال حوالك
لهم نعم لا أستقلّ بشكرهاوإن كنت قد سيّرته في المسالك
وخلّفت فيه من قريض بدائعاترى خلفا من كلّ باق وهالك
وله من قصيدة في القاسم بن عبيد الله:
ما شأن دارك يا ليلى نناجيهافما تجيب ولا ترعي لداعيها
إنّا عشية عجنا بالمطيّ بهاكنّا نحييك فيها لا نحييها
لا ترسلي الطيف ان الطرف في شغلعن الكرى بدموع بات يجريها
لأضربنّ بآمالي إلى ملكتقلّ في قدره الدنيا بما فيها
يا ابن الوزارة والمأمول بعد لهاوسائر الأرض دانيها وقاصيها
ما بال ما اجتاب عرض الأرض من مدحيإليك يسري مع الركبان ساريها
لم يأتني نبأ عنها ولا خبرواليوم كالحول لي مما أراعيها
وله أيضا:
وما الموت قبل الموت عندي غير أنيرى ضرعا بالعسر يوما لذي اليسر
فدع قولهم ليس الثراء من العلافما الفخر إلا أن يقال هو المثري
إذا أنت لم تبل الصديق فلا تكنله آمنا فيما يجنّ من الأمر
فإن سترت حال امرىء لؤم أصلهأبى اللؤم ألا أن يبين مع الستر
وله أيضا:
على الخيف من أكناف برقة أطلالدوارس عفّتها ببرقة أحوال
ومبنى خيام من فريق تفرّقواأيادي سبا والبين للشمل مغتال
وهنّ نجوم للنجوم ضرائروهنّ لأقمار الحنادس أقتال
ألا إن آجال الظباء سوانحالمن عالج الوجد المبرّح آجال
إلى ابن أبي العباس جاذبنا المنىومن دونه بيد يخبّ بها الآل
وما زالت الأيام تضحك عنهموتشرق عنهم بالمكارم أفعال
أولئك أرباب العلا وبنو الندىوقوّال فضل يوم مجد وفعّال
هم ورّثوه الجود والبذل والندىفزاد على ما ورّثوه ولم يال
وله يرثى البحتري:
تعوّلت البدائع والقصيدوأودى الشعر مذ أودى الوليد
وأظلم جانب الدنيا وعادتوجوه المكرمات وهنّ سود
فقل للدهر يجهد في الرزايافليس وراء فجعته مزيد
وله من قصيدة:
تمكّن حبّ علوة في فؤاديوملّك أمر غيّي والرشاد
فوالى بين دمعي والمآقيوعادى بين جفني والرقاد
وقد طلب السلامة في سليمىزمانا والسعادة في سعاد
فلا هاتيك أحمدها وصالاولا هذي ارتضاها في الوداد
وله أيضا:
أيها القرم الذيأعوزنا فيه الندود
وأعانته على المجدمساع وجدود
عجّل النّجح فإنّالمطل بالوعد وعيد
قال عبيد الله الفقير إليه مؤلف هذا الكتاب: هذا معنى عنّ لي من قبل أن أقف على هذه الأبيات، وكنت أعجب كيف فات الأوائل اشتماله على مطابقة التجنيس وحسن المعنى مدة، حتى وقفت على ما ها هنا فعلمت أن أكثر ما ينسب إلى الشعراء من السرقات إنما هو توارد خواطر ووقوع حافر على حافر؛ وأما أبياتي فهي:
يا سيدا بذّ من يمشي على قدمعلما وحلما وآباء وأجدادا
ماذا دعاك إلى وعد تصيّرهبالخلف والمطل والتسويف إيعادا
لا تعجلنّ بوعد ثم تخلفهفيثمر المطل بعد الودّ أحقادا
فالوعد بذر ولطف القول منبتهوليس يجدي إذا لم يلق حصّادا
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع