من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
الحسن بن علي بن أبي سالم المعمر بن عبد الملك بن ناهوج الاسكافي
الأصل البغدادي المولد والدار، أبو البدر ابن أبي منصور: من أهل باب الأزج، أحد الكتاب المتصرفين في خدمة الديوان الامامي هو وأبوه، وكان فيه فضل وأدب بارع وعربية وتصرف في فنونها، ويكتب خطا على طريقة أبي علي ابن مقلة قلّ نظيره فيه، وله خصائص، ولقي المشايخ، وصنف عدّة تصانيف في الأدب حسنة، وتنقّل في الولايات إلى أن رتّب مشرفا بالديوان العزيز في سادس شهر رمضان سنة ست وثمانين وخمسمائة، فكان على ذلك إلى أن عزل في سابع ذي الحجة سنة ثمان وثمانين.
وكان صحب أبا محمد ابن الخشاب النحوي، وقرأ عليه وبحث معه وعلّق عنه تعاليق وقفت على بعضها فوجدتها منبئة عن يد باسطة في هذا الفن من العلم، ورأيت بخطه في حلب تعاليق وكتبا واختيارات ونظما ونثرا تدلّ على قريحة سالمة، ونفس عالمة، تقلل النظير، وتؤذن بالعلم الغزير، ومما بلغني من شعره:
وعلى الكثيب مخمّر من تيههكالبدر من حسن وليس بآفل
حجبوه بالبيض القواصل مادروامن حسنه وسيوفهم كالقاصل
رشأ كأنّ لحاظه مطرورةقذفت بها غرضا حنيّة نابل
وكأنّ سحر بلاغة في لفظهأخذ تعقّدها نوافث بابل
وكان خرج من بغداد حاجّا في سنة تسع وثمانين وخمسمائة أو نحوها فجاور بمكة، ثم صار منها إلى الشام وأقام بحلب مدة، ثم انتقل إلى مصر فسكنها إلى أن مات بها في ثامن عشر رمضان سنة ست وتسعين وخمسمائة عن سبع وستين سنة، ودفن بالقرافة، حدث بذلك ابنه أبو منصور علي.
وقرأت بخط ابن أبي سالم الذي لا أرتاب به ما صورته: نسخة كتاب كتبته إلى القاضي الفاضل عند قدومي من الحجاز إلى مصر في جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة: لو كانت المودات- أطال الله بقاء المجلس السامي في نعمة خصيبة المرتع، وعيشة عذبة المنبع، وأدام علاه في سعادة لا تتطرق إلى ضافي بردها السابغ حوادث الأقدار، ولا يتطرّق صافي وردها السائغ بحوادث الأكدار، وحرس مواهبه لديه ما لزم السكون أول المشدّدين، ولا زالت ثاوية بجنابه حتى يلتقي المخفّفان من كلمتين، ولا فتئت منح التوفيق مصاحبة له ما اشتبه الذاتي بالعرض اللازم، وذم المفرط أمره وأحمده الحازم- لا تقرع أبوابها، ولا يتدرع زينة لبوسها وأثوابها إلا عن معرفة في المشاهد سابقة، أو ماتّة قائدة أو ذريعة سائقة ...
التعاضد والتضافر.... سابق للصفة، وإنما للنفوس سرائر أهواء تحنّ إلى التداني وإن تباعدت الشعوب وتنازحت الديار، كما لتباينها أسباب تتنافر من أجلها وإن تقاربت الأنساب وتناوحت المقارّ، والفضائل الفاضلية القريرة، والمناقب الشهيرة، التي قد سار ذكرها في الآفاق سير القمر، وعطل مزيتها مرويّ السير، وتليت محاسنها كما تتلى السور، وصار الفوز بمناسمة ريّاها من أفضل ما أسفر عنه سفر، ولو عاينها الصّدر الأول لمدح في دراستها السهر، وما جدب السمر، فلا غرو أن تحنّ النفوس إلى محلّ كمالها، ومأوى توافر أضدادها التي انفرد بجمالها، ومثوى مواهبها التي هبطت اليه من المحلّ الأرفع لما سمّي لها وسما لها، ومن هو أمينها المصدق لظنونها ويمينها إذا كان غيره يمينها وشمالها، وقد زادها إفراط حبّ التبيان، فلله درّ ذلك
البيان، فلكم استفاءت حجته إلى أمر الله من الطوائف والفرق، وكم فضّ كتابه من كتائب الضلال وفرق.
ثم ذكر وصف بلاغته بما أطال فيه ووصف البحر الذي ركبه حتى خلص إلى مصر ثم قال: وقد أرسل هذه الخدمة مستخرجة للإذن في الحضور والتشرف بميمون اللقاء، وإن زاحم به أوقات الطاعات ومواقيت الأذكار، وشغل على اختصاره عن شيء من المهام والأوطار، فللمتوكل لنفسه أن يدّعي أنّ في ذلك ضربا من ضروب البرّ، فإنه قد أصبح ولله الحمد في هذا الطرف لقاطنيه وطارقيه كالأب البرّ. والمنشود من الأريحية الكريمة إكرام مثوى خدمته وتلقّيها بما يزيل عنها انقباض الغريب ووحشته، وحيرة القادم ودهشته، فعنده حياء طبيعيّ لعلة متجاوزة للقدر المحدود.
غذيت به طفلا فإن رمت غيرهعصاني وأغرتني به ألفة المهد
وكتب إليه بعد الحضور عنده رقعة منها: وحضر الشيخ النفيس وصحبته ما قابل كريم الاهتمام الذي صدر عنه من الأدعية والأثنية بما لا يزال يواليه ويرفعه ويهديه، ولقد أخجله أن يرى نفسه في صورة مثقّل، أو يرى بعين غير موحّد في دين هواه متنقّل. ومقترحه أن يخصّ من حسن الرأي العالي بشعار يبهج ولا ينهج، ويشرع له سبيلا في الفخر وينهج، وأن يشير بأسطر بالخط الكريم تفوق المال، وتبقي الجمال، فأبقى السمات ما خطّته يمينه، وأثبت الصفات ما دلّ عليه تزيينه، وأزكى الشهادات ما تطوّع به كرمه، وأعطر رياض الحمد ما أنبته ديمه. وقد حصل الخادم بين نزاع يحضّه على حضور الخدمة وينشطه، وخوف إبرام يقبضه ويثبّطه؛ وقد ترجم عن حاله هذه بأبيات الشاعر أبي عبد الله وهي:
حالة قد حصلت أخبط منهاحول دار الأستاذ في عشواء
إن تأخّرت أو تقدّمت فيهاساء ظنّي في الموضعين برائي
لست أدري من الضلال أقدّامي خير في ذاك أم من ورائي
أوثر الخدمة التي تثبت اسميعندكم في جريدة الأولياء
ثم أخشى من أن أعدّ إذاجئت من المبرمين والثقلاء
قد تحيرت فاجعلوا أنتم اسميحيث شئتم من هذه الأسماء
ومن خطه: ومن عبث الخاطر وهوسه أبيات تشوقت فيها الحجاز بعد مجاورتي بالحرم الشريف بمكة، قدسها الله سنة اثنتين أو ثلاث وسبعين:
خليليّ هل تشفي من الوجد وقفةبخيف منى والسامرون هجوع
وهل للييلات المحصّب عودةوعيش مضى بالمأزمين رجوع
وهل سرحة بالسفح من أيمن الصفارعت من عهودي ما أضاع مضيع
وهل قوّضت خيم على أبرق الحمىوما ذاك من غدر الزمان بديع
وهل تردن ماء بشعب ابن عامرحوائم لو يقضى لهنّ شروع
وما ذاك إلا عارض من طماعةله بقلوب العاشقين ولوع
وإني متى أعص التجلّد والأسىفللشوق مني والغرام مطيع
فيا جيرتي إذ للزمان نضارةوعودي نضار والخيام جميع
بنعمان والأيام فينا حميدةووادي الهوى للنازلين مريع
وما أزمع الحيّ اليمانون نيّةولا ريع بالبين المشتّ مروع
كفى حزنا أني أبيت وبيننامن البيد ممتدّ الفجاج وسيع
أعالج نفسا قد تولّى بها الأسىوطرفا يجفّ المزن وهو هموع
ومن خطّه أيضا: بيتان صدرت بهما كتابا في هذه الرقعة إلى بعض الإخوان بمكة حرسها الله تعالى:
ألا قل لجيران الصفا ليتداعي التفرق أعمى يوم راح مناديا
لعمري لقد ودّعت يوم وداعكمبشعب المنقّى شعبة من فؤاديا
ومن خطّه رسالة كتبها إلى الفاضل أيضا يسأله شيئا من رسائله، قال في آخرها:
فصار مثل هذه العوارف التي أقتصر في ذكرها على الإيماء وقوفا مع مجد سيدنا- أطال
الله بقاءه مبسوط اليد في عباد الله بالفرض، مقرضا له عناء همه فيهم أحسن القرض، منجزا لهم ما وعد: وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
(الرعد:) - عند الخادم، ومثله كالبيت من القريض قبل القافية، والمريض الذي مطلته الأيام بالعافية، فلا يكمل ذلك ولا يروق، ولا يتطرّب به المشوق، ولا يترنّم به الكئيب، ولا يتسلّى به الغريب، دون تمامه، وتكافي أجزاء نظامه، وعبقه بمسك ختامه، ولا يحسّ هذا بلذة على الحقيقة، وإن شرفت، حتى تجد روحه روح الشفاء فيدرك مزيتها بطرق الصحة ومروءتها بحاسة سمعها، وتساعفه الأقدار بتكميلها لك وجمعها:
وما أسفي إلّا عليها فإننيبقرطاسها لا بالدنانير أكلف
فجد لي بما أهواه منها فإننيسألحف في استيهابها وأكلّف
وما هذه الأهواء إلا غرائزقبيح لدى نقادها المتكلف
وإن كان الخادم عن حال من شرّف بهذا من أفناء الناس، ولم يكمل بعدته الاستئناس، فليس له أن يكون معترضا، ولا أن يتلقى ذلك بغير التسليم والرضى، فإن الخدمة السامية هي التي تبين لديها الأقدار، وبأفعالها تترتب المنازل وتتفاوت الأخطار.
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع