من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
الحسن بن علي بن إبراهيم بن الزبير
، أبو محمد المصري، أخو الرشيد أحمد بن علي- وقد تقدم ذكره -: وكان من أهل أسوان من غسان، وكان الحسن هذا
يلقب بالقاضي المهذب، مات في ربيع الآخر سنة إحدى وستين وخمسمائة بمصر، وكان كاتبا مليح الخطّ، فصيحا جيد العبارة، وكان أشعر من أخيه الرشيد، وكان قد اختص بالصالح ابن رزيك وزير المصريين، وقيل إن أكثر الشعر الذي في ديوان الصالح إنما هو عمل المهذب ابن الزبير، وحصل له من الصالح مال جمّ، ولم ينفق عنده أحد مثله. وكان القاضي عبد العزيز بن الجباب المعروف بالجليس هو الذي قرّظه عند الصالح حتى قدمه، فلما مات الجليس شمت به ابن الزبير، ولبس في جنازته ثيابا مذهبة، فنقص عند الناس بهذا السبب واستقبحوا فعله، ولم يعش بعد الجليس إلا شهرا واحدا.
وصنف المهذب «كتاب الأنساب» وهو كتاب كبير أكثر من عشرين مجلّدا، كل مجلد عشرون كراسا، رأيت بعضه فوجدته مع تحقّقي هذا العلم وبحثي عن كتبه غاية في معناه لا مزيد عليه يدلّ على جودة قريحة مؤلفه وكثرة اطلاعه، إلا أنه حذا فيه حذو أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري، وأوجز في بعض أخباره عن البلاذري، إلا أنه إذا ذكر رجلا ممن يقتضي الكتاب ذكره لا يتركه حتى يعرّفه بجهده مع إيراد شيء من شعره وخبره. وكان المهذب قد مضى إلى بلاد اليمن في رسالة من بعض ملوك مصر، واجتهد هناك في تحصيل كتب النسب، وجمع منها ما لم يجتمع عند أحد حتى صحّ له تأليف هذا الكتاب.
وكان أخوه الرشيد لما مضى إلى اليمن وادّعى الخلافة- كما ذكرناه في ترجمته- نمي خبره إلى المعروف بالداعي، فقبض عليه قبضا لا نعلم كيفيته وهمّ بقتله، فكتب المهذّب هذا إلى الداعي بقصيدته المشهورة يمدحه ويستعطفه حتى أطلقه، والقصيدة:
يا ربع أين ترى الأحبّة يممواهل أنجدوا من بعدنا أم أتهموا
نزلوا من العين» السواد وإن نأواومن الفؤاد مكان ما أنا أكتم
رحلوا وفي القلب المعنّى بعدهموجد على مرّ الزمان مخيم
رحلوا وقد لاح الصباح وإنماتسري إذا جنّ الظلام الأنجم
وتعوّضت بالأنس روحي وحشةلا أوحش الله المنازل منهم
لولا هم ما قمت بين ديارهمحيران أستاف التراب وألثم
أمنازل الأحباب أين هم وأين الصبر من بعد التفرّق عنهم
يا ساكني البلد الحرام وإنمافي الصدر مع شحط المزار سكنتم
يا ليتني في النازلين عشيةبمنى وقد جمع الرفاق الموسم
فأفوز إن غفل الرقيب بنظرةمنكم إذا لبّى الحجيج وأحرموا
إني لأذكركم إذا ما أشرقتشمس الضحى من نحوكم فأسلّم
لا تبعثوا لي في النسيم تحيةإني أغار من النسيم عليكم
إني امرؤ قد بعت حظي راضيامن هذه الدنيا بحظّي منكم
فسلوت إلا عنكم وقنعتالا منكم وزهدت إلا فيكم
ورأيت كلّ العالمين بمقلةلو ينظر الحساد ما نظرت عموا
ما كان بعد أخي الذي فارقتهليبوح إلا بالشكاية لي فم
هو ذاك لم يملك علاه مالككلا ولا وجدي عليه متمم
أقوت مغانيه وعطّل ربعهولربما هجر العرين الضيغم
ورمت به الأهوال همة ماجدكالسيف يمضي غربه ويصمّم
يا راحلا بالمجد عنّا والعلاأترى يكون لكم إلينا مقدم
يفديك قوم كنت واسط عقدهمما إن لهم مذ غبت شمل ينظم
لك في رقابهم وإن هم أنكروامنن كأطواق الحمام وأنعم
جهلوا فظنّوا أنّ بعدك مغنملما رحلت وإنما هو مغرم
فلقد أقرّ العين أن عداك قدهلكوا ببغيهم وأنت مسلّم
لم يعصم الله ابن معصوم منالآفات واخترم اللعين الأخرم
واعتضت بعدهم بأكرم معشربدأوا لك الفعل الجميل وتمّموا
فلعمر مجدك إن كرمت عليهمإن الكريم على الكرام مكرم
أقيال بأس خير من حملوا القناوملوك قحطان الذين هم هم
متواضعون ولو ترى ناديهمما اسطعت من إجلالهم تتكلم
وكفاهم شرفا ومجدا باذخاأن أصبح الداعي المتوّج منهم
هو بدر تمّ في سماء علاهموبنو أبيه بنو زريع أنجم
ملك حماه جنّة لعفاتهلكنّه للحاسدين جهنم
أثني عليك بما مننت وأين منأوصاف مجدك يا مليكا أعظم
فاغفر لي التقصير فيه وعدّهمع ما تجود به عليّ وتنعم
مع أنني سيرت فيك شوارداكالدرّ بل أبهى لدى من يفهم
تغدو وهوج الذاريات رواكدوتبيت تسري والكواكب نوّم
وإذا المآثر عدّدت في مشهدفبذكرها يبدا المقال ويختم
وإذا تلا الراوون محكم آيهاصلّى عليك السامعون وسلّموا
وكفى برأي إمام عصرك ناقضاما أحكم الأعداء فيك وأبرموا
وأنشدني أبو طاهر إسماعيل بن عبد الرحمن الأنصاري المصري بمصر في سنة اثنتي عشرة وستمائة قال: أنشدني أبو محمد الحسن بن علي بن الزبير مطلع قصيدة:
أعلمت حين تجاور الحيّانأنّ القلوب مواقد النيران
وعلمت أن صدورنا قد أصبحتفي القوم وهي مرابض الغزلان
وعيوننا عوض العيون أمدّهاما غادروا فيها من الغدران
ما الوجد هزّ قناتهم بل هزّهاقلبي لما فيه من الخفقان
وتراه يكره أن يرى أظعانهمفكأنّما أصبحت في الاظعان
وكان لما جرى لأخيه الرشيد ما جرى من اتّصاله بالملك صلاح الدين يوسف بن أيوب عند كونه محاصرا بالاسكندرية- كما ذكرناه في بابه- قبض شاور على المهذب وحبسه، فكتب إلى شاور شعرا كثيرا ليستعطفه فلم ينجع، حتى التجأ إلى ولده الكامل أبي الفوارس شجاع بن شاور ومدحه بأشعار كثيرة، وهو في الحبس، حتى قام بأمره واستخرجه من حبسه، وضمّه إليه واصطنعه، فمن ذلك قوله من قصيدة:
يا صاحبي سجن الخزانة خلّيانسيم الصبا ترسل إلى كبدي نفحا
وقولا لضوء الصبح هل أنت عائدإلى ناظري أم لا أرى بعدها صبحا
ولا تيأسا من رحمة الله أن أرىسريعا بفضل الكامل العفو والصفحا
فإن تحبساني في النجوم تجبّرافلن تحبسا مني له الشكر والمدحا
وكتب إليه:
وما كنت أخشى قبل سجنكما علىدموعي أن يقطرن خوف المقاطر
وما لي من أشكو إليه أذاكماسوى ملك الدنيا شجاع بن شاور
ومما قاله فيه، وهو لعمري من رائق الشعر وجيّده:
إذا أحرقت في القلب موضع سكناهافمن ذا الذي من بعد يكرم مثواها
وإن نزفت ماء العيون بهجرهافمن أيّ عين تأمل العيس سقياها
وما الدمع يوم البين إلّا لآلىءعلى الرسم في رسم الديار نثرناها
وما أطلع الزهر الربيع وإنمارأى الدمع أجياد الغصون فحلّاها
ولمّا أبان البين سرّ صدورناوأمكن فيها الأعين النّجل مرماها
عددنا دموع العين لما تحدرتدروعا من الصبر الجميل نزعناها
ولما وقفنا للوداع وترجمتلعينيّ عمّا في الضمائر عيناها
بدت صورة في هيكل فلو آنناندين بأديان النصارى عبدناها
وما طربا صغنا القريض وإنماجلا اليوم مرآة القرائح مرآها
وليلة بتنا: في ظلام شبيبتيسراي، وفي ليل الذوائب مسراها
تأرّج أرواح الصّبا كلما سرىبأنفاس ريا آخر الليل رياها
ومهما أدرنا الكأس باتت جفونهامن الراح تسقينا الذي قد سقيناها
[ومنها]:
ولو لم يجد يوم الندى في يمينهلسائله غير الشبيبة أعطاها
فيا ملك الدنيا وسائس أهلهاسياسة من قاس الأمور وقاساها
ومن كلّف الأيام ضدّ طباعهاوعاين أهوال الخطوب فعاناها
عسى نظرة تجلو بقلبي وناظريصداه فإني دائما أتصداها
وحدثني الشريف أبو جعفر محمد بن عبد العزيز الادريسي أن السبب في حبسه كان أنه كاتب شيركوه الملقب بأسد الدين، وهو نازل على بلبيس بعساكره في محاربة شاور، فلما رحل أسد الدين عن بلبيس وجدت الكتب في منزله، فحملت إلى شاور فحبسه وهمّ بصلبه لو لم يستنقذه ابنه الكامل.
وأنشدني المصريون للمهذب في رفّاء:
بليت برفّاء لواحظ طرفهبنا فعلت ما ليس يفعله النّصل
يجور على العشّاق والعدل دأبهويقطعني ظلما وصنعته الوصل
ومن شعره أيضا:
ولئن ترقرق دمعه يوم النوىفي الطرف منه وما تناثر عقده
فالسيف أقطع ما يكون إذا غدامتحيّرا في صفحتيه فرنده
ومنه أيضا:
لقد طال هذا الليل بعد فراقهوعهدي به قبل الفراق قصير
فكيف أرجّي الصبح بعدهم وقدتولّت شموس بعدهم وبدور
ومنه أيضا:
يعنّفني من لو تحقّق ما الهوىلكان إلى من قد هويت رسولي
بنفسي بدر لو رآه عواذليعلى الحبّ فيه فاد كلّ عذول
ومنه أيضا:
أقصر فديتك عن لومي وعن عذليأو لا فخذ لي أمانا من ظبا المقل
من كلّ طرف مريض الجفن ينشدني«يا ربّ رام بنجد من بني ثعل»
إن كان فيه لنا وهو السقيم شفا«فربّما صحّت الأجسام بالعلل»
وقال يرثي صديقا له وقد وقع المطر يوم موته:
بنفسي من أبكى السماوات فقدهبغيث ظنّناه نوال يمينه
فما استعبرت إلا أسى وتأسّفاوإلا فماذا القطر في غير حينه
وله أيضا:
لا ترج ذا نقص ولو أصبحتمن دونه في الرتبة الشمس
كيوان أعلى كوكب موضعاوهو إذا أنصفته نحس
وله أيضا:
فدع التمدح بالقديم فكم عفافي هذه الآكام قصر داثر
إيوان كسرى اليوم عند خرابهخير لعمرك منه خصّ عامر
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع