تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

خلف بن حيان بن محرز ويكنى أبا محرز

البصري المعروف بالأحمر:

كان مولى أبي بردة بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، من سبي السغد الذين سباهم قتيبة فوهبهم سلم بن قتيبة لبلال بن أبي بردة الأشعري، وأعتق بلال أبويه وكانا فرغانيين ومات خلف بعد وفاة الرشيد، والرشيد مات سنة ثلاث وتسعين ومائة، وروى بعضهم أنه مات سنة خمس وسبعين ومائة. وكان خلف راوية نفسه علامة يسلك الأصمعي طريقه ويحتذي حذوه حتى قيل هو معلم الأصمعي، وهو والأصمعي فتقا المعانى وأوضحا المذاهب وبينا المعالم.

قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: خلف الأحمر معلم الأصمعي ومعلم أهل البصرة. وقال الأخفش: لم أدرك أحدا أعلم بالشعر من خلف الأحمر والأصمعي.

وقال ابن سلام: أجمع أصحابنا أن الأحمر كان أفرس الناس ببيت شعر، وأصدق لسانا، وكنا لا نبالي إذا أخذنا عنه خبرا أو أنشدنا شعرا أن لا نسمعه من صاحبه. وقال شمر: خلف الأحمر أول من أحدث السماع بالبصرة، وذلك أنه جاء إلى حماد الراوية فسمع منه وكان ضنينا بأدبه.

ولم يكن فيه ما يعاب. إلا أنه كان يعمل القصيدة، يسلك فيها ألفاظ العرب القدماء، وينحلها أعيان الشعراء كأبي دواد الإيادي وتأبط شرا والشنفرى وغيرهم، فلا يفرق بين ألفاظه وألفاظهم، فترويها جلّة العلماء لذلك الشاعر الذي نحله إياها، فمما نحله إلى تأبط شرا:

إن بالشّعب الذي دون سلعلقتيلا دمه لا يطلّ
للشاعر الشنفرى، من قصيدة «إن بالشعب الذي دون سلع»

ومما نحله الشنفرى القصيدة المعروفة بلامية العرب، أولها:

أقيموا بني أمي صدور مطيكمفإني إلى قوم سواكم لأميل
للشاعر الشنفرى، من قصيدة «أقيموا بني أمي صدور مطيكم»

حدث يونس قال: كنا عند أبي عمرو بن العلاء ومعنا خلف الأحمر، فقرأ عليه رجل:

قالت أميمة ما لهبعدي قد ابيضت شواته

فقال له أبو عمرو: عظمت الراء فظننتها واوا، وإنما هي سراته أي عاليته، فقال لي خلف بالفارسية: أصاب الرجل ووهم أبو عمرو. شواته جلدة رأسه. قال الصولي: والبيت لسعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت من قصيدة، وبعده:

فأراه ليس كما علمت صحا وأقصر عاذلاته
ماذا نكرت من امرىءأن شاب مذ شابت لداته

قال يونس: سمعت أعرابيا يقول: قد قال لي أعرابي آخر كبرت والله. فقال:

أجل، لقد طالت حياتي ونحتت قناتي وابيضت سراتي؛ وإذا كان ذلك مما يقوله العرب فالذي قاله أبو عمرو صواب.

قال الرياشي: سمعت الأخفش يقول: لم ندرك ها هنا أحدا أعلم بالشعر من خلف الأحمر والأصمعي. قلت: أيهما كان أعلم؟ قال: الأصمعي. قلت: لم؟

قلت: لأنه كان أعلم بالنحو.

قال خلف: أنا وضعت على النابغة القصيدة التي منها:

خيل صيام وخيل غير صائمةتحت العجاج وخيل تعلك اللجما
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «خيل صيام وخيل غير صائمة»

وقال أبو الطيب عبد الواحد اللغوي: كان خلف يصنع الشعر وينسبه إلى العرب فلا يعرف، ثم نسك وكان يختم القرآن في كل يوم وليلة، وبذل له بعض الملوك مالا عظيما خطيرا على أن يتكلم في بيت شعر شكّوا فيه فأبى ذلك وقال: قد مضى لي فيه ما لا أحتاج أن أزيد عليه. وكان قد قرأ أهل الكوفة عليه أشعارهم وكانوا يقصدونه لما مات حماد الراوية، فلما نسك خرج إلى أهل الكوفة يعرفهم الأشعار التي أدخلها في أشعار الناس، فقالوا له: أنت كنت عندنا في ذلك الوقت أوثق منك الساعة، فبقي ذلك في روايتهم إلى الآن. واختص به أبو نواس وله فيه مراث مشهورة.

ولخلف ديوان شعر حمله عنه أبو نواس و «كتاب جبال العرب».

حدث الأصمعي قال: حضرنا مأدبة ومعنا أبو محرز خلف الأحمر، وحضرها ابن مناذر الشاعر، فقال لخلف الأحمر: يا أبا محرز إن يكن النابغة وامرؤ القيس وزهير قد ماتوا فهذه أشعارهم مخلدة، فقس شعري إلى شعرهم واحكم فيها بالحق، فغضب خلف ثم أخذ صحفة مملوءة مرقا فرمى بها عليه فملأه، فقام ابن مناذر مغضبا وأظنه هجاه بعد ذلك.

وحدث ابن سلام قال قال لي خلف الأحمر: كنت أسمع ببشار بن برد قبل أن

أراه، فذكروه لي يوما وذكروا بيانه وسرعة جوابه وجودة شعره، فاستنشدتهم شيئا من شعره فأنشدوني شيئا لم أحمده، فقلت: والله لآتينه ولأطأطئنّ منه، فأتيته وهو جالس على بابه، فرأيته أعمى قبيح المنظر عظيم الجثة، فقلت: لعن الله من يبالي بهذا، فوقفت أتأمله طويلا، فبينا أنا كذلك إذ جاءه رجل فقال: إن فلانا سبّك عند الأمير محمد بن سليمان ووضع منك، فقال: أو قد فعل؟ قال: نعم، فأطرق، وجلس الرجل عنده وجلست، وجاء قوم فسلّموا عليه فلم يردد عليهم، فجعلوا ينظرون إليه وقد درّت أوداجه، فلم يلبث إلا ساعة حتى أنشدنا بأعلى صوته وأفخمه، فقال:

نبّئت نائك أمّه يغتابنيعند الأمير وهل عليّ أمير
ناري محرّقة وبيتي واسعللمعتفين ومجلسي معمور
ولي المهابة في الأحبة والعداوكأنني أسد له تامور
غرثت حليلته وأخطأ صيدهفله على لقم الطريق زئير

قال: فارتعدت والله فرائصي واقشعرّ جلدي، وعظم في عيني جدا حتى قلت في نفسي: الحمد لله الذي أبعدني من شرك.

وكان بين خلف الأحمر وبين أبي محمد اليزيدي مهاجاة، فقال أبو محمد فيه:

زعم الأحمر المقيت لديناوالذي أمّه تقرّ بمقته
أنه علّم الكسائي نحوافلئن كان ذا كذاك فباسته

وهجا خلف أبا محمد اليزيدي بقصيدة فائية تداولها الأفواه والأسماع نسبه فيها إلى اللواطة مطلعها:

إني ومن وسج المطيّ لهحدب الذّرى إرقالها رجف
للشاعر خلف الأحمر، اقرأ القصيدة
والمحرمين لصوتهم زجلبفناء كعبته إذا هتفوا
للشاعر خلف الأحمر، اقرأ القصيدة
منّي إليه غير ذي كذبما إن رأى قوم ولا عرفوا
للشاعر خلف الأحمر، اقرأ القصيدة
في غابر الناس الذين بقواوالفرط الماضين من سلفوا
للشاعر خلف الأحمر، اقرأ القصيدة
أحدا كيحيى في الطعان إذا افترش القنا وتضعضع الحجف
في معرك يلقى الكميّ بهللوجه منبطحا وينحرف
للشاعر خلف الأحمر، اقرأ القصيدة
وإذا أكبّ القرن يتبعهطعنا دوين صلاه ينخسف
للشاعر خلف الأحمر، اقرأ القصيدة

وهي طويلة نحو أربعين بيتا اكتفينا بهذا المقدار منها. وله من المصنفات كتاب حيات العرب وما قيل فيها من الشعر.

-

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.