تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

دغفل النساب هو دغفل بن حنظلة بن زيد

بن عبدة بن عبد الله بن ربيعة بن عمرو بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هيث بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان الشيباني: اختلف فيه، هل له صحبة برسول الله ﷺ، أم لا. وقد روى عن النبي ﷺ، وروى عنه الحسن البصري ومحمد بن سيرين وغيرهما. ذكر أبو الفرج الأصفهاني في كتاب «الأغاني» في وقعة دولاب مع الخوارج في سنة خمس وستين قال: وانهزم أهل البصرة فغرق منهم في دجيل خلق منهم دغفل بن حنظلة الشيباني.

حدث الحسن عن دغفل قال: كان على النصارى صوم شهر رمضان، فمرض ملك فيهم فقال: لئن شفاه الله ليزيدنّ عشرة أيام، ثم كان ملك بعده فأكل لحما فوقع فوه، فقال: لئن شفاه الله ليزيدن سبعة أيام، ثم ملك بعده فقال: ما يدع هذه الثلاثة أيام أن يتمها ونجعل صومنا في الربيع، ففعل، فكانت خمسين يوما.

قيل للإمام أحمد بن حنبل، ﵁، دغفل بن حنظلة له صحبة؟ قال:

ما أعرفه.

واستقدمه معاوية إلى دمشق ليعلّم ولده يزيد.

وحدّث معاذ بن هشام عن دغفل أنه قال: قبض رسول الله ﷺ وهو ابن خمس وستين سنة.

قال معاوية لدغفل وقد أرسل إليه ليعلّم يزيد، وسأله عن أنساب العرب وعن النجوم والعربية وعن أنساب قريش فأخبره فإذا رجل عالم، فقال: من أين حفظت هذا يا دغفل؟ قال: حفظته بلسان سؤول وقلب عقول، وإن آفة العلم النسيان. وقال له يوما: بم ضبطت ما أرى؟ قال: بمفاوضة العلماء. قال: وما مفاوضة العلماء؟

قال: كنت إذا لقيت عالما أخذت ما عنده وأعطيته ما عندي.

حدث عكرمة عن ابن عباس قال: حدثني علي بن أبي طالب، ﵇، من فيه، قال: لما أمر الله رسوله أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبو بكر، قال: فرفعنا إلى مجلس من مجالس العرب، فتقدّم أبو بكر، وكان مقدّما في كلّ خير، وكان رجلا نسّابة، فسلّم وقال: ممّن القوم؟

قالوا: من ربيعة. قال: وأيّ ربيعة أنتم؟ أمن هامتها أم من لهازمها؟ فقالوا: بل من الهامة العظمى. فقال أبو بكر: وأيّ هامتها العظمى أنتم؟ فقالوا: من ذهل الأكبر.

قال: من عوف الذي يقال لا حرّ بوادي عوف؟ قالوا: لا. قال: فمنكم جسّاس بن مرة حامي الذمار، ومانع الجار؟ قالوا: لا. قال: فمنكم بسطام بن قيس أبو اللواء، ومنتهى الأحياء؟ قالوا: لا. قال: فمنكم الحوفزان قاتل الملوك، وسالبها أنفسها؟

قالوا: لا. قال: فمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة؟ قالوا: لا. قال: فمنكم أصهار الملوك من كندة؟ قالوا: لا. قال: فمنكم أصهار الملوك من لخم؟ قالوا:

لا. قال أبو بكر: فلستم ذهلا الأكبر، إنما أنتم ذهل الأصغر. فقام إليه غلام من بني شيبان، يقال له دغفل حين بقل وجهه وهو يقول:

إن على سائلنا أن نسألهوالعبء لا تعرفه أو تحمله

يا هذا إنك قد سألتنا فأخبرناك، ولم نكتمك شيئا، فممن الرجل؟ قال أبو بكر الصديق: أنا من قريش. فقال الفتى: بخ بخ أهل الشرف والرياسة، من أيّ القرشيين أنت؟ قال: من ولد تيم بن مرة. فقال الفتى: أمكنت والله الرامي من سواء الثغرة، أمنكم قصيّ الذي جمع القبائل من فهر وكان يدعى في قريش مجمّعا؟ قال:

لا. قال: فمنكم هاشم الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف؟ قال:

لا. قال: فمنكم شيبة الحمد عبد المطلب مطعم طير السماء، الذي كأنّ وجهه القمر يضيء في الليلة الداجية الظلماء؟ قال: لا. قال: فمن أهل الإفاضة أنت؟ قال:

لا. قال: فمن أهل الحجابة أنت؟ قال: لا. قال: فمن أهل السقاية أنت؟ قال:

لا. قال: فمن أهل الندوة أنت؟ قال: لا. قال: فمن أهل الرفادة أنت؟ قال:

لا. واجتذب أبو بكر زمام الناقة راجعا إلى رسول الله ﷺ، فقال الغلام:

صادف درء السيل درءا يدفعهيهيضه حينا وحينا يصدعه

أما والله لو ثبتّ لأخبرتك أنك من زمعات قريش. قال وتبسم رسول الله ﷺ، قال عليّ: فقلت يا أبا بكر لقد وقعت من الأعرابي على باقعة، قال: أجل أبا الحسن، ما من طامّة إلا وفوقها طامة، والبلاء موكّل بالمنطق.

قيل: جاء قوم من سعد بن زيد بن مناة إلى دغفل النسابة فسلموا عليه، وهو مولّ ظهره للشمس في مشرفة له، فردّ عليهم من غير أن يلتفت إليهم ثم قال لهم: من القوم؟ قالوا: نحن سادة مضر. قال: أنتم إذن قريش الحرم، أهل العزّ والقدم، والفضل والكرم، والرأي في البهم؟ قالوا: لسنا منهم. قال: لا. قالوا: لا. قال:

فأنتم إذن هوازن أجرأها فوارس، وأجملها مجالس. قالوا: لسنا منهم قال: لا، قالوا: لا. قال: فأنتم إذن سليم، موارس عضاضها، ومنّاع أعراضها. قالوا: لسنا منهم. قال: لا. قالوا: لا. قال: فأنتم إذن بنو حنظلة، أكرمها جدودا، وأسهلها خدودا، وألينها جلودا. قالوا: لسنا منهم. قال: لا. قالوا: لا. قال: فلا أراكم إلا من زمعات مضر، وأنتم تأبون إلا [ان] ترقوا إلى الغلاصم منهم. اذهبوا لا كثر الله بكم من قلة، ولا أعزّ بكم من ذلة.

قال الأصمعي: الناسبون أربعة: دغفل وأبو ضمضم وصبيح والكيس النمري.

قال أبو عمرو بن العلاء: أرسل معاوية إلى دغفل النسابة فقال له: كيف علمك بقريش؟ فقال: عالم يا أمير المؤمنين. قال: هات إذن. قال: ما أنتم يا بني عبد شمس من قريش إلا كواسطة القلادة، في الشّرك أشراف وسادة، وفي الإسلام ملوك وقادة. وأما بنو هاشم فأنجاد أمجاد، ذوو ألسنة حداد. وأما بنو المطلب بن عبد مناف فإنه غامض ذكرهم ضحل نجرهم. وأما بنو نوفل فنقرة أصابتها نعرة لا تقطع بعرة ولا تجود بذرة. وأما بنو عبد الدار فإنهم أوساط الأشراف لا أجواد ولا سقاط.

وأما بنو عبد العزى فأهل بأس وفيهم أحلام وفيهم أعلام. وأما بنو زهرة فأهل فحش

فاش، أحلام كالقسي، إن سكتوا فبغير حلم، وإن نطقوا فبغير علم. وأما بنو مخزوم فمعزى مطيرة، أصابتها قشعريرة، إلا بني المغيرة فإن فيهم تشادق الكلام، ومصاهرة الكرام. وأما بنو تيم فكثير عددهم، غير ظاهر جلدهم، وهم عبيد من سادهم، ولا يزال فيهم قائد يقتادهم. وأما بنو جمح فأهل خفّة وصلف، ما خلا بني خلف. وأما بنو سهم فأهل عزّ في الحرم، ليس لهم في سواها موضع قدم. وأما بنو عامر بن لؤي فيقودون الخيول، ويدركون الذحول، وليست لهم عقول. وأما بنو عدي فأهل لؤم أعراق، ودقة أخلاق، إن استغنوا شحوا، وإن افتقروا ألحّوا. فقال له معاوية: لقد حملت أضغان قريش. فقال: يا أمير المؤمنين، إني لا أستطيع أن أتقرّب إليك بفساد ما أعلم، وهذا علمي بقومك، فإن كان غير هذا فهات علمك بهم حتى آخذ به. قال معاوية: يا أخا بكر بن وائل، إني ألبس قريشا على أخلاقها، وأزوي عن مشاربها. فلما خرج دغفل نظر معاوية إلى وجوه من عنده من قريش على وجه الشماتة وقال: يا معشر قريش إنه عابكم جهده، وقال:

لعمر أبيكم فلا تكذبوالقد عابكم جهده دغفل
ونحن أناس على ما بنالآخرنا الأوّل الأوّل
فإن يك حقا كما قالهفما غاب من عاركم أطول
فإن كان كذبا فعلامةدعاه إليه هوى أميل
ألا إنه أعلم الآخرينوكلّ مقال له يحمل

وفي رواية أخرى تختلف، فقال القوم: ما عاب سواك، إنك استمعت وهو يذكر بني عبد شمس فلم تبال بما قال في أحياء قريش.

-

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.