من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
دعبل بن علي بن رزين بن سليمان
بن تميم بن نهشل بن خداش بن خالد بن عبد بن دعبل بن أنس بن خزيمة: كذا قال أبو الفرج، وقال آخرون: دعبل بن علي بن رزين بن عثمان بن عبد الله بن بديل بن ورقاء، يتصل نسبه بمضر، أبو علي الخزاعي، وعلى هذا الأكثر: شاعر مطبوع مفلق، يقال إن أصله من الكوفة، وقيل من قرقيسيا، وكان أكثر مقامه ببغداد، وسافر إلى غيرها من البلاد فدخل دمشق ومصر، وكان هجاء خبيث اللسان لم يسلم منه أحد من الخلفاء ولا من الوزراء ولا أولادهم ولا ذو نباهة أحسن إليه أو لم يحسن، وكان بينه وبين الكميت بن زيد وأبي سعد المخزومي مناقضات، وكان من مشاهير الشيعة، وقصيدته التائية في أهل البيت من أحسن الشعر وأسنى المدائح، قصد بها علي بن موسى الرضا بخراسان فأعطاه عشرة آلاف درهم وخلع عليه بردة من ثيابه فأعطاه بها أهل قمّ ثلاثين ألف درهم فلم يبعها، فقطعوا عليه الطريق ليأخذوها فقال لهم: إنها تراد لله ﷿ وهي محرمة عليكم، فدفعوا له ثلاثين ألف درهم فحلف أن لا يبيعها أو يعطوه بعضها ليكون في
كفنه، فأعطوه كما واحدا فكان في أكفانه. ويقال إنه كتب القصيدة في ثوب وأحرم فيه وأوصى بإن يكون في أكفانه، ونسخ هذه القصيدة مختلفة في بعضها زيادات يظن أنها مصنوعة ألحقها بها أناس من الشيعة، وإنا موردون هنا ما صحّ منها قال:
مدارس آيات خلت من تلاوةومنزل وحي مقفر العرصات
لآل رسول الله بالخيف من منىوبالركن والتعريف والجمرات
ضديار عليّ والحسين وجعفروحمزة والسجّاد ذي الثفنات
ديار عفاها كلّ جون مبادرولم تعف للأيام والسنوات
قفا نسأل الدار التي خفّ أهلهامتى عهدها بالصوم والصلوات
ضو أين الأولى شطّت بهم غربة النوىأفانين في الآفاق مفترقات
هم أهل ميراث النبيّ إذا اعتزواوهم خير قادات وخير حماة
وما الناس إلا حاسد ومكذّبومضطغن ذو إحنة وترات
إذا ذكروا قتلى ببدر وخيبرويوم حنين أسبلوا العبرات
قبور بكوفان وأخرى بطيبةوأخرى بفخّ نالها صلواتي
وقبر ببغداد لنفس زكيّةتضمنها الرحمن في الغرفات
فأما المصمّات التي لست بالغامبالغها مني بكنه صفات
إلى الحشر حتى يبعث الله قائمايفرّج منها الهمّ والكربات
نفوس لدى النهرين من أرض كربلامعرّسهم فيها بشطّ فرات
تقسّمهم ريب الزمان كما ترىلهم عقوة مغشيّة الحجرات
سوى أنّ منهم بالمدينة عصبةمدى الدهر أنضاء من الأزمات
قليلة زوّار سوى بعض زوّرمن الضبع والعقبان والرّخمات
لهم كلّ حين نومة بمضاجعلهم في نواحي الأرض مختلفات
وقد كان منهم بالحجاز وأهلهامغاوير نحّارون في السنوات
تنكّب لأواء السنين جوارهمفلا تصطليهم جمرة الجمرات
إذا أوردوا خيلا تشمّس بالقنامساعر جمر الموت والغمرات
وان فخروا يوما أتوا بمحمدوجبريل والفرقان ذي السّورات
ملامك في أهل النبيّ فأنهمأحبّاي ما عاشوا وأهل ثقاتي
تخيرتهم رشدا لأمري فانهمعلى كلّ حال خيرة الخيرات
فيا ربّ زدني من يقيني بصيرةوزد حبّهم يا ربّ في حسناتي
بنفسي أنتم من كهول وفتيةلفكّ عناة أو لحمل ديات
أحبّ قصيّ الرحم من أجل حبكموأهجر فيكم أسرتي وبناتي
وأكتم حبّيكم مخافة كاشحعنيد لأهل الحقّ غير موات
لقد حفّت الأيام حولي بشرّهاوإني لأرجو الأمن بعد وفاتي
ألم تر أني من ثلاثين حجةأروح وأغدو دائم الحسرات
أرى فيئهم في غيرهم متقسّماوأيديهم من فيئهم صفرات
فآل رسول الله نحف جسومهموآل زياد حفّل القصرات
بنات زياد في القصور مصونةوآل رسول الله في الفلوات
إذا وتروا مدّوا إلى أهل وترهمأكفّا من الأوتار منقبضات
فلولا الذي أرجوه في اليوم أو غدلقطّع قلبي إثرهم حسراتي
خروج إمام لا محالة خارجيقوم على اسم الله والبركات
يميّز فينا كلّ حقّ وباطلويجزي على النعماء والنقمات
سأقصر نفسي جاهدا عن جدالهمكفاني ما ألقى من العبرات
فيا نفس طيبي ثم يا نفس أبشريفغير بعيد كلّ ما هو آت
فإن قرّب الرحمن من تلك مدتيوأخّر من عمري لطول حياتي
شفيت ولم أترك لنفسي رزيةوروّيت منهم منصلي وقناتي
أحاول نقل الشمس من مستقرهاوأسمع أحجارا من الصّلدات
فمن عارف لم ينتفع ومعانديميل مع الأهواء والشبهات
قصاراي منهم أن أموت بغصةتردّد بين الصدر واللهوات
كأنك بالأضلاع قد ضاق رحبهالما ضمّنت من شدّة الزفرات
ومما يختار من شعر دعبل قصيدته العينية التي رثى بها الحسين ﵇، قال:
رأس ابن بنت محمد ووصيّهيا للرجال على قناة يرفع
والمسلمون بمنظر وبمسمعلا جازع من ذا ولا متخشع
أيقظت أجفانا وكنت لها كرىوأنمت عينا لم تكن بك تهجع
كحلت بمنظرك العيون عمايةوأصم نعيك كلّ أذن تسمع
ما روضة إلا تمنت أنهالك مضجع ولخطّ قبرك موضع
ومن مختاراته أيضا قوله:
خليليّ ماذا أرتجي من غد امرىءطوى الكشح عني اليوم وهو مكين
وان امرءا قد ضنّ منه بمنطقيسدّ به فقر امرىء لضنين
ومن مختار شعره قوله:
أين الشباب وأية سلكالا أين يطلب ضلّ بل هلكا
لا تعجبي يا سلم من رجلضحك المشيب برأسه فبكى
يا ليت شعري كيف نومكمايا صاحبيّ إذا دمي سفكا
لا تأخذا بظلامتي أحداقلبي وطرفي في دمي اشتركا
ولدعبل كتاب طبقات الشعراء. وديوان شعر. مات سنة ست وأربعين ومائتين.
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع